الجمعة، 26 سبتمبر 2025

صوت الناشر يحاور دار الأجنحة للطباعة والنشر والتوزيع ومديرها العام متوكل زروق



حوار شكندرة يلتقي في «صوت الناشر»

دار الأجنحة للطباعة والنشر والتوزيع ومؤسسها ومديرها العام متوكل زروق


حول البدايات والفكرة


1/ متى بدأت أول شرارة لفكرة دار الأجنحة تتقد في ذهنكم؟

بخوضي لتجربتي نشر ككاتب بصدور ديواني الأول عن دار نشر من خارج السودان وآخر مع جهة حكومية داخل السودان وما صاحب التجربتين من قصور، تكشَّف لي أن شيئًا من هذا القصور مرتبط بعدم وجود رؤًى عميقة وواضحة حول عملية النشر في تفكير المؤسسات القائمة بمسؤولية النشر بالأخص السودانية.

بناءً على ذلك كنت أرى أن واحدًا من أنجع الحلول لهذه المشكلة هو أن يتولى بعضٌ من الناشطين في فعل الإبداع والمعرفة بصورة عامة إدارة شأنهم في كل المجالات ومنها مجال النشر، فبدأت فكرة تأسيس وإدارة دار نشر تبذر جزاميرها وترسخ في الذهن.

لاحقًا وخلال مشاركتي في مهرجان الشارقة للشعر العربي بدولة الإمارات في العام 2020م، ناقشت الأمر مع صديقين عزيزين، كلٌّ على حدة (الشاعر عمر أبو عُرُف) والكاتبة الروائية (آن الصافي) وقد عززا الفكرة على أن تكون مع الأيام مؤسسةً معرفيةً متكاملة.


2/ هل جاءت الفكرة كحلم شاعر يريد فضاءً لنشر الكلمة، أم كمشروع مدروس بعين الناشر؟

نعم، لقد تمت دراسة الفكرة بتأنٍ وتدقيق من خلال دراسة جدوى شاملة تم بناءً عليها اتخاذ قرار التأسيس.

لم يكن الأمر مرتبطًا بالبحث عن فضاء بقدر ما هي مغامرة ابتداع فضاء أوسع لتعزيز المعارف السودانية ونقلها إلى العالم.


3/ ما الذكرى الأولى التي تستحضرها حين تتحدث عن لحظة ميلاد الأجنحة؟

الكثير من الذكريات المتباينة، دعم الأصدقاء والزملاء رغم قناعتهم بعدم جدوى الاستثمار في المعرفة، تثبيط البعض وإصرارهم على أن أي استثمار في غير الأكل والملبس والاتصالات لن يكون مصيره إلا الفشل، وهناك الطريف من الذكريات حيث نصحني أحد أساتذتنا الأجلاء بعد أن طرحت عليه الفكرة قائلًا: (هسَّه كِن عملت ليك قدرة فول ما أحسن؟).

كان بعض الأصدقاء يسألونني من غربتهم في المهاجر، (الناس بتلم قروش عشان تسافر وانت بتعمل ليك في دار نشر؟).

كنت فقط أحاول النجاح في بلدي.


4/ كيف كانت خطواتكم الأولى لتحويل الفكرة من ومضة في الرأس إلى دار نشر قائمة؟

باتخاذ قرار التأسيس عملت على خطوتين مهمتين، الأولى عملت دراسة جدوى لقياس مدى جدوى المشروع من عدمه، والثانية استبيان متخصص لمديري دور النشر والكُتَّاب، حصلنا من خلالهما على معلومات قمنا بتحليلها، وضعنا يدنا على المخاطر وحددنا طرق مواجهتها فكان القرار في صالح قيام المشروع، كل هذا لازمه التوفيق وتيسير مدبر الأمر.



5/ هل استلهمتم التجربة من نموذج محدد في الساحة العربية أو العالمية؟

لم يكن هناك نموذج محدد ألهمنا الفكرة، إنما الحالة العامة لوضع النشر في البلد هو ما ألهمنا فكرة المشروع، لكننا نتخذ من كل التجارب الماثلة نماذجًا نتعلم منها ونُربي تجربتنا.


عن العقبات والتحديات


6/ ما أبرز العقبات التي اصطدمت بها الأجنحة في بداياتها؟

أي مشروع في طور التأسيس يواجه عقبات، ونحن واجهنا الكثير منها صعوبة إيجاد مقر دائم للدار يكون مناسبًا من حيث المكان والتجهيزات، ومهمة إقناع الكُتَّاب بمشروعنا، لكن التحضير المسبق لمواجهتها سهَّل علينا تجاوزها.


7/ كيف تعاملتم مع تحديات سوق النشر وسط الظروف الاقتصادية والثقافية الراهنة؟

في الأساس التنظيم وطريقة بناء الهياكل التنظيمية للمؤسسات هي التي تحدد طريقة مواجهتها للتحديات، ونحن عملنا على بناء هيكل تنظيمي مرن لمواكبة التحديات وتسويتها عن طريق الدوامات الجزئية والعمل بطريقة تشكيل أتيام المشروعات الحالية.


8/ هل كان الحصول على ثقة الكتّاب أصعب أم الوصول إلى القرّاء؟

قدمنا لهم رؤيةً واضحة، خاطبنا طموحهم في الحاجة إلى التبشير بأعمالهم وهدأنا من مخاوفهم بشأن عملية النشر، إن مسائل مثل الشفافية والجودة والالتزام بالتوقيتات هي من أكبر هواجس الكُتَّاب، فقد عملنا عليها بجدٍ من مرحلة الاتفاق وحتى مرحلة التوزيع وانتهاء الآجال.


9/ هل واجهت الدار عراقيل رسمية أو إدارية أثّرت على انطلاقتها؟

في بلدنا هذا -للأسف- فإن العراقيل الرسمية والإدارية في كل مكان و -للأسف- أننا اعتدنا عليها ونتحملها بصبرٍ ونعمل على قبولها كأمرٍ عادي.


10/ لو عاد بك الزمن، ما الخطأ الذي كنت ستتفاداه في إدارة البدايات؟

لن يعود الزمن إلى الوراء، تلك أمنيةٌ بنت (لو). لكن هناك الكثير من أخطاء البدايات وقلة التجربة إذا لقيناها مرةً أخرى فلن نتعامل معها بنفس الطريقة ولن نتخذ نفس القرارات التي واجهناها بها في السابق.


عن النجاحات والجوائز


11/ ما أول نجاح شعرت معه أن الأجنحة حلّقت فعلًا؟

ربَّما هناك حدثان، الأول هو حفل توقيع ديوان (الرحيق على شفة السنبلة) للصديق الشاعر أسامة تاج السر، فقد كان أول إصداراتنا يومها كانت أول فعالية تقيمها الدار، فقد كانت صرخة الميلاد الحقيقية، كان الحضور كبيرًا ونوعيًا... كان يومًا لا يُنسى.

أما الحدث الثاني فكان يوم فوزنا بجائزة نيرفانا لأفضل دار نشر سودانية للعام 2021م، بعد عام واحدٍ من التأسيس.


12/ حدثنا عن أهم الجوائز أو التكريمات التي نالتها الدار، وماذا تعني لكم شخصيًا؟

أولًا: جائزة نيرفانا لأفضل دار نشر سودانية عام 2021م

ثانيًا: فوز ديوان (أخيطُ على مقاس العطر) للشاعرة ابتهال تريتر بجائزة الأمير عبد الله الفيصل للشعر العربي، والصادر عن الدار.

ثالثاً: حصول الدار على حقوق النشر والتوزيع لأعمال مبادرة كتابة لنشر الشعر السوداني.

رابعاً: الفوز بمنحة الكتابة الإبداعية والنقدية، عن الصندوق العربي للثقافة والفنون (آفاق) لتمويل طباعة – موسوعة الأدب العربي الروائي التشادي.

كلها تعني لي أننا في الطريق الصحيحة نحو وضع سهمنا واسمنا وعلامتنا في المكان الذي نطمح إليه.


13/ هل ترون أن الجوائز معيار حقيقي لنجاح دور النشر، أم أن النجاح يقاس برضا القرّاء؟

ربما هي تقدير لجهدك حسب رؤية مقدميها، لكنها لا تعني النجاح، فالنجاح قائم على الاستمرارية، أين كنت تقف وكم خطوة تقدمت؟ وهل أنت مستمرٌ في التقدم؟

النجاح في هذا المجال هو أن تصل القُرَّاء بالكُتَّاب في أعلى نقطة من الجودة والرضا وأن تستمر في ذلك.


14/ ما الكتاب أو الإصدار الذي شكّل علامة فارقة في مسيرة الأجنحة؟

لقد عملنا منذ البداية على الجودة كعامل أساسي في تحقيق هدفنا، كل كتاب ننجزه ويفي سياستنا بشأن جودة المحتوى والمضمون ويرضي الكاتب والقارئ، نعتبره علامةً فارقةً في مسيرتنا.


15/ كيف تصفون اليوم حصيلة إنجازاتكم مقارنة بما خططتم له عند التأسيس؟

الحصيلة ربَّما مرضية لكننا متطلبون، ليس لرضانا نقطةٌ معينة فحيث انتهينا إلى نقطة حددناها مسبقًا صعدنا إلى نقطة أعلى، وإن لم تكن هناك نقطةٌ أعلى وضعنا لنا نقطة وقاتلنا للوصول إليها، نحن أوفياء للاستمرارية.


عن المعارض والحضور الثقافي


16/ كم عدد المعارض التي شاركتم بها محليًا وعربيًا حتى الآن؟

منذ السنة الثانية للتأسيس وإلى الآن شاركنا في كل معارض الكتاب في المنطقة العربية باستمرار ووصلنا إلى معرض إسطنبول للكتاب العربي بتركيا، إيمانًا منا بكُتَّابنا وبحقهم في الانتشار.


17/ ما المعرض الذي تعتبرونه منصة الانطلاق الحقيقية لـ الأجنحة؟

لقد كانت انطلاقتنا الأولى للمعارض الخارجية من معرض أبو ظبي الدولي للكتاب بدولة الإمارات، ونحتفظ بذكريات جميلة وتجربة مفيدة عن هذا المعرض.


18/ كيف تقيّمون أثر المعارض على الانتشار وبناء شبكة علاقات مع القرّاء والناشرين؟

أثرها عظيم ومفيد من كافة النواحي على انتشار الكُتَّاب وتعزيز صورة الدار لدى العملاء في سوق النشر.


 19/ هل من تجربة أو موقف لا يُنسى رافق مشاركتكم في أحد المعارض؟

في معرض رحلتي إلى إسطنبول للكتاب العربي في العام 2022م كانت عندنا عناوين مهمة لم تكن متوفرة في محطة الشحن بالقاهرة لذلك اضطررت إلى أخذها معي في شنطة بصحبة راكب من الخرطوم مما تسبب لي في مشكلة زيادة وزن الأمتعة وفي وسط حيرتي في كيفية التصرف كان هناك شاب يقوم بالوزن بعدي وقبل أن أكلمه طلب مني الوزن الزائد ووزنه مع أمتعته وأعطاني البوردينج، لكنني عندما صعدت إلى الطائرة لم أره وعرفت من المضيفة أنه تأخر خارج صالة المسافرين ولم يتمكن من اللحاق بالطائرة وأعيدت له كل أمتعته والتي فيها شنطتي التي بها كل ملابسي، ثم تأخرت في المطار والافتتاح صباح الغد والجناح غير مرتب، لذلك ذهبت مباشرة إلى مقر المعرض، يومها نمت على أرضية الجناح وباشرت تسيير الجناح بنفس ملابس السفر التي نمت بها على الأرضية، كان يومًا صعباً بأحداث لا تنسى.


20/ ما خططكم لتوسيع حضور الأجنحة في معارض أخرى خارج المنطقة؟

جهة المغرب العربي لم نصلها بعد لكننا عازمون على الذهاب في القريب إن شاء الله بالإضافة إلى معرض فرانكفورت، فهو مهم وجماهيري وجاذب.



عن الرؤية والمستقبل


21/ برأيكم، ما الذي يميز الأجنحة عن غيرها من دور النشر السودانية والعربية؟

الصحيح والمنصف هو أن الأجنحة تغطي مساحة معتبرةً لكنها مكملة لمجهودات الدور السودانية لتغطية المشهد كاملًا.


22/ كيف توفقون بين رؤيتكم كشاعر ورؤيتكم كناشر يحكمه الجانب التجاري؟

المسألة سهلة لو أن هناك خلفية عن إدارة المشروعات، فبحكم دراستي لإدارة الأعمال عندي الخبرة المعقولة لإدارة مشروعي الشخصي، ووظيفتي كمدير لمشروع معرفي، قد تتداخل عليك بعض الأمور من حيث الصفات الشخصية والصورة الذهنية النمطية للناس من حولك، هناك القليل من التعقيدات لكن نتكيف معها.


23/ ما المكانة التي تطمحون أن تصل إليها الأجنحة خلال السنوات القادمة؟

نأمل أن نحقق هدفنا السامي في توفير المعارف السودانية والصعود بها إلى أيِّ مكانٍ في العالم يقبل المعرفة ويحترم الإنسان، وأن نجلب أهم معارف العالم إلى أرفف المكتبات السودانية.


24/ ما النصيحة التي تقدمونها لشاب/ة يريد اليوم تأسيس دار نشر؟

أن تتجهز لمواجهة التحديات والمصاعب، وأن تؤمن بقدرتك على النجاح، وأن تمتثل لتقاليد وأخلاقيات وأدبيات صناعة النشر.


25/ عن آفاق: هل سعت دار الأجنحة فعلاً للتقدم للحصول على منحة "الكتابات الإبداعية والنقدية" من آفاق؟ وما الذي دفعكم لاختيار هذا البرنامج؟

هي فرصة للعمل في مشروعات أكبر، لقد قدمنا لها بالفعل وبتوفيق من الله وأهمية المشروع وُفِّقنا في الحصول على منحة هذا العام.


26/ فما أبرز النقاط التي ركزتم عليها في المشروع المشارك بالمنحة؟ وكيف عبّرت تلك النقاط عن محتوى أو تطلعات خاصة بـ"الأجنحة"؟

ركزنا على أن يكون العمل مستوعبًا لقدر كبير من المادة المقدمة بحيث تغطي أكبر عدد من الكُتَّاب ومساحة أوفر من القُرَّاء، وأن نؤسس لمرجع للأدب العربي الروائي في واحدة من دول أفريقيا جنوب الصحراء وهي دولة تشاد، لأن بها منذ منتصف الألفينات حركة معرفية ناهضة وكثيفة، وقد شكَّلت الرواية المكتوبة باللغة العربية علامةً فارقةً فيها، لذلك أردنا توفير مستندًا مرجعيًّا يمكن أن يفيد في التعرف على جذر التجربة ويمثل مستندًا يمكن أن تُحاكم عليه.


27/ برأيكم، ما أبرز التحديات التي قد تكون واجهتكم خلال رحلة التقديم (مثل إعداد المواد الداعمة، الميزانية، إلخ)؟ وكيف تعاملتم معها؟

نحن أصلاً لمَّا قدمنا للمنحة كنا قد جمعنا أكثر من 70% من مادتها واتخذنا قراراً بأن نكمل العمل حتى في حال لم نحصل على المنحة، أستطيع أن أخبرك بصدق أن التحدي الذي واجهنا هو المفاضلة بين ما نحتاجه من نصوص وما وصلنا إلى الآن، لقد خططنا لتضمين خمسة عشر عملاً وما جمعناه إلى الآن أكثر من ذلك بكثير.


28/ كيف ترون تأثير مثل هذه المنح على نمو دور النشر العربية؟ وهل تعتقدون أن المنح تمثل بارقة دعم حقيقية لمشاريع مثل "الأجنحة"؟

إنها مهمة، خاصة مع الوضع الاقتصادي الذي نعيشه والذي يلقي بظلاله على طموحات دور النشر في خدمة المشهد المعرفي.


29/ وأخيرًا، ما "الجناح" الذي ما زلتم تحلمون أن تضيفوه إلى الأجنحة كي تكتمل رحلتها؟

لقد تخطينا مرحلة الأحلام، أصبحنا أكثر قربًا من الواقع بكل تحدياته، نحن قريبون جدًا من إضافة جناح الترجمة والتعريب، بالإضافة إلى إنشاء موقع على الويب وإطلاق متجر إلكتروني لتوزيع الإصدارات بالترحيل لأي مكان في العالم.


..............

باسم شكندرة نتوجّه بخالص الشكر والتقدير إلى دار الأجنحة للنشر والتوزيع ومؤسسها الأستاذ متوكل زروق على هذا الحوار الثري.

لقد فتحتم لنا نوافذ على تجربة أصيلة تمزج بين الحلم والعمل، وتعيد للكتاب مكانته في فضائنا العربي.

أثريتم مساحتنا بـقصص التأسيس والتحديات والنجاحات، فكان اللقاء تحليقًا معرفيًا في أفق رحب.

تقديرنا لكم على كل جهدٍ تبذلونه في خدمة الكُتّاب والقرّاء وعلى ما أضفتموه للمشهد الثقافي السوداني والعربي.

لكم منا كل الامتنان والدعاء بمزيدٍ من التوفيق في معارضكم القادمة، وفي مقدمتها معرض الرياض الدولي للكتاب الذي سينطلق بتاريخ 2أكتوبر 2025م.







السبت، 20 سبتمبر 2025

نوادر إبراهيم مدير عام مدونة شكندرة

 بيان من مدير عام مدونة شكندرة: نوادر إبراهيم 

من قلب الشغف والكلمة، ومن سنوات انشغال مستمر بالكتابة والبحث عن عمقها، وُلِدت شكندرة لتكون ميلادًا حقيقيًا للحرف… مساحة حرة وراقية تجمع الأقلام، وتمنح النصوص حقها من الضوء والاهتمام. هذا الحلم حملته #نوادر_إبراهيم في قلبها، مؤمنة بأن الكلمة رسالة ومسؤولية، وأن لكل حرف ميلاده الذي يستحقه.


كانت الخطوة الأولى مجرد فكرة صغيرة، لكنها نمت مع الأيام بفضل أصدقاء أوفياء ومبدعين وضعوا معي اللبنات الأولى لهذه المنصة، لهم جميعًا كل الامتنان والاعتزاز، فقد كنتم وقود البداية ورفاق الطريق، وشركاء الحلم الذي صار واقعًا.


ولأن شكندرة تؤمن أن الحوار هو روح الحرف، كان ركن "حوار شكندرة" من أهم ملامحها. شكرًا لكل من استضفناه وأثرى الكلمة بحضوره، ولمن لبّى دعوتنا، ولمن سنحاوره قريبًا. أنتم من تجعلون الحرف حيًا ومليئًا بالمعنى.


وفي إطار تعزيز الشفافية بين الكتاب والمهتمين بعالم النشر، ستشهد شكندرة خلال أيام استضافة دور النشر في ركن خاص بعنوان "صوت الناشر"، ليكون بوابة مفتوحة وشفافة للحوار مع دور النشر حول الكتابة، النشر، والترجمة، بما يثري تجربة الكاتب والقارئ على حد سواء.


ونحن نعلن اليوم عن توقفٍ مؤقت لنشر كتابات الكُتّاب ليس تراجعًا، بل استعدادًا لانطلاقة أوسع: خطة تطويرية تتضمن دعم الكتاب وكتاباتهم، وورش ودورات تدريبية، لأننا نؤمن في شكندرة أن الميلاد الجديد للحرف يجب أن يكون مدروسًا، متماسكًا، متعوبًا عليه… وأن يصل إلى القلوب قبل الصفحات.


شكرًا لكل من آمن بالفكرة ورافقنا بداية الطريق. القادم أجمل بإذن الله، وشكندرة مستمرة في الوفاء للكلمة، للحرف، ولأحلامها الكبيرة.


 #نوادر_إبراهيم

#مدونة_شكندرة

#حيث_للحرف_ميلاد_جديد

 #حوار_شكندرة 

#صوت_الناشر




الأربعاء، 10 سبتمبر 2025

حوار شكندرة مع الكاتبة روزا أيزاك أجيبا

 شكندرة تحاور الكاتبة الروائية والقاصة روزا أيزاك أجيبا 


المحور الأول: البدايات والكتابة


1. متى بدأت علاقتك الأولى بالكتابة، وهل كانت الرواية خيارك الأول أم أن القصة القصيرة والمقال الصحفي سبقت الرواية؟

شكرًا مدونة شكندرة.

أعتقد أن العلاقة بدأت منذ أن تعلمت القراءة بالمدرسة الابتدائية، وأنا طفلة، كان لي حب استطلاع في اكتشاف المحيط حولي، ورغبة لمعرفة الأشياء، الناس، والتفاصيل الصغيرة التي لا تهم الآخرين. كنت أتعلم الأشياء بسرعة، أعشق الأوراق والأقلام، وكنت أعتقد أن أي وريقة ملقاة على الأرض هي ملكي ولي حق أن أرفعها وأقرأ ما بداخلها. كنت لا أترك مجلة أو جريدة أو كتابًا دون أن أتصفح ما بين سطورها، كان لي العطش الدائم للقراءة، على الرغم من أنني ترعرعت في مدينة ليست بها وقتها سوى مكتبة واحدة لشراء بعض الصحف والمجلات.

صراحةً كنت لا أعرف ما الذي يشعل بداخلي رغبة التجول بين الأوراق، وفي منزلي لا أملك سوى كتاب المطالعة العربية! ذلك الفضول والرغبة العارمة في القراءة جعلا مني أتقن فن التواصل والتعبير عن نفسي عبر الكتابة. كنت أقرأ وأدوّن ما يثير انتباهي، أكتب ما رأيت، وأكتب أيضًا ما أشعره وأحسّه في دواخل نفسي. كانت رغبتي في تدوين ما أراه تنمو وتزداد إلى أن توصلت إلى مرحلة أنني أشتري مفكرات أدوّن فيها خواطر، قصصًا حقيقية وخيالية.

بدأت أكبر، وشغفي في اكتشاف جمال الأشياء والطبيعة حولي يكبر، إلى أن أصبح صوت العصفور، والريح التي تحرك أوراق الشجر، والنسيم العليل في الصباح الباكر، وخرير المياه بعد نزول المطر، وصوت المطر والندى في الصبح، يبعث في نفسي السعادة ويجعلني أكتب لأوصف.

توصلت الرغبة أقصى درجاتها عندما غادرت أرض الوطن واخترت العيش في الغربة، فكانت أول مدوناتي التي أتذكر عنوانها جيدًا هي "سنيني في الغربة"، ولكن سرعان ما تخليت عن مواصلة تلك المدونة.

بعد سنوات من الهدوء شاركت على صفحتي على منصة الفيسبوك أول تجاربي الأدبية عام ٢٠١٤، وهي كانت مذكرة أدبية بعنوان "جوبا رائعة" تحكي عن رحلتي لتلك المدينة بعد سنين طويلة. حظيت بقبول وإعجاب كبير، وتلتها روايات كانت مكتوبة بالعامية السودانية، مثل رواية بعنوان "الصديقة القنبلة"، وكنت أعني بالعنوان وصف جمال لفتاة إذا حلت بأي مكان يتفجر جمالها كالقنبلة ويعجب بها الصغير والكبير، والشيب والشاب، ثم "رواية ثورة أنثى" وأعني بها امرأة ثارت غضبًا على زوجها بعد أن ضحت في سبيل حياتهما معًا، والكثير من الروايات والقصص التي كنت أشاركها مع متابعيني.

لي شغف شديد بالسرد، عندما أمسك بالقلم لا أريد أن أضعه أرضًا. كنت في التعبير في المدرسة أحصل غالبًا على "جيد جدًا" إن لم يكن "ممتاز". أتذكر في أيام الامتحانات بالجامعة أن إحدى صديقاتي قالت متعجبة:
"روز، لقد كنا نذاكر معًا، الكلام الكثير ده بتجيبيه من وين؟"
وأخرى قالت: "روز، لقد سمعتك في حجرة الامتحانات تتحدثين عندما تكتبين!"

كل هذه الملاحظات ناتجة من حبي للكتابة والحكي حتى على المستوى الأكاديمي، فأنا لا أملّ السرد. فكتابة القصص والمقالات الصحفية كانت في مقدمة ظهوري الأدبي، ولكن لحبي العميق للسرد الطويل، الحكي، والتواصل غير المشروط في التعبير عما يجيش في خيالي ومشاعري، جعل من الرواية أول إصداراتي قبل القصة القصيرة.


2. ما الذي يمنحك الدافع للاستمرار في الكتابة رغم مشاغل الحياة وضغوطها؟

الدافع هو أن نفسي تشرق في ذلك التواصل الفريد الذي لا يشبه غيره في الوصف. الكتابة سرٌّ من أسرار زاويتي الخاصة التي أجد فيها نفسي أتواصل مع البشر، معبّرةً عن نفسي وأفكاري دون التحدث المباشر، وأن تتجول في عقول الناس وتشاركهم أحاسيسك وأفكارك دون التحدث معهم لفظيًا، تلك هي المتعة الحقيقية في عالم التواصل البشري.

فلا مشاغل الحياة وضغوطها تطفئ شعلة الكتابة بداخلي، ولا الموت يستطيع التهام كتبي بعد رحيلي، وذلك لأن الكتّاب لا يموتون.


3. كيف تجدين التوازن بين عملك الصحفي وانشغالك بالقضايا الإنسانية وبين مشروعك الأدبي؟

سرّ التوازن يكمن في أنني أفصل بين تلك الأعمال وفقًا لجدول أعمالي، أحب زمني وأحترمه للغاية. ولكن الحقيقة هي أنني لست بصحفية أستغرق وقتًا طويلًا في تحضيرات الكتابات الصحفية، فقط أشارك بمقالات من وقت إلى آخر، بعد أن تمت دعوتي من قبل صحيفة الموقف بجوبا عاصمتي.

فأنا متعاونة فقط مع تلك الصحيفة وقبلت الدعوة لأوصل أفكاري عبرها لقارئ الصحف في دولتي الحبيبة، وفقط أكتب عندما أرى أن هناك موضوعًا أو قضية يتطلب رأيي الشخصي.

والقضايا الإنسانية والاجتماعية هي أكثر ما يثير تركيزي ويجعلني أمسك بقلمي لأكتب في الصحيفة، وبصريح العبارة لستُ مواظبة على الصحيفة.

أما العمل الأدبي فهو الأكثر حظًا بوقتي وجهدي، لي من الوقت ما يكفي لأن أرسم حروفي وأبدع، أصنع الوقت لأكتب، أراجع، أو أبدأ مشروع رواية جديدة أو قصة قصيرة. العمل الأدبي هو مساحتي الخاصة التي أستجمع فيها نفسي دون تدخل من أحد.


المحور الثاني: المرأة والطفل واللجوء


4. بحكم عملك بقضايا اللجوء، كيف انعكس هذا الجانب على نصوصك الأدبية؟

العمل مع اللاجئين عمل إنساني بحت، لأن اللاجئ فرد اضطر إلى مغادرة وطنه لأسباب قد تكون اجتماعية، سياسية، أو حتى عرقية وجنسية. فهو شخص يبحث عن الحرية، الحماية، والأمان الذي لم يجده في بلاده، شخص محتاج للتواصل.

التواصل المباشر معهم والانغماس في قضاياهم يثقل القلب ويشعرك بالمسؤولية تجاههم. القلق الدائم عليهم والتفكير في قضاياهم يجعل التأثير مباشرًا على شخصيتي، سلوكي، وطريقة تفكيري. وككاتبة، قد انعكس هذا الاحتكاك والتأثير على نصوصي الأدبية فكريًا، نفسيًا، وخياليًا.

في كثير من كتاباتي أعبّر عن مشاعري بعمق عن اللاجئ وقضية اللجوء. لم أنشر بعد أعمالًا أدبية تُظهر هذا الجانب، ولكن هناك أعمالًا على قيد العمل، وستشرق بنورها في المستقبل القريب.


5. ما الذي تمنحين إياه لصوت المرأة والطفل في كتاباتك؟

المرأة من أول وأهم اهتماماتي، ولي عمود بعنوان "حديث امرأة" بجريدة الموقف أنشر تحته كل ما يحرك قلبي ويشغل عقلي عن قضايا المرأة.

المرأة هي أنا، وقضية المرأة هي قضيتي، وتلك القضية تهمني قبل أن تهم غيري. عندما أخاطب قضايا المرأة فأنا أتحدث عن نفسي وقضيتي، أقوم بدور التوعية، فأنا أبحث عن أرضية خصبة تنمو فيها صوت المرأة بصورة أكثر ثباتًا وقوة.

المرأة تعاني حتى في تلك المجتمعات التي نعتقد أنها تحترم القانون وحقوق الإنسان، المرأة تُقهر، وتُداس كرامتها، وتُؤخَّر بفعل مجتمعاتها، وهذا ما أرفضه بقلمي. المرأة إنسان، والإنسان كرامة، والكرامة حق.

أكرر: أنا المرأة وأنا الأم، أنا المربية الأولى للأجيال، وأدعو إلى مسؤولية الإمساك بيد الطفل والدفع به نحو مستقبل مشرق. التربية السليمة، الرعاية الجيدة، ومخاطبة قضاياه الأساسية نحو العيش السليم، هو المحتوى في كتاباتي.


6. هل تعتبرين الأدب وسيلة للتغيير الاجتماعي أم مجرد مرآة تعكس الواقع؟

الأدب في الأساس هو نقل تجارب، أفكار واقعية وخيالية نابعة من صميم المجتمع، ومصدر تلك الأفكار هو أفراد أرادوا أن يشاركوا تلك التجارب، التاريخ، والقصص مع الآخرين لغرض التكييف والتأثير، والتأثير علامة في جذور التغيير.

فكم من أعمال أدبية غيّرت من نظرتنا للحياة، وكم من كتب قرأناها وهي تحمل بين طياتها أجوبة لأسئلة كانت عالقة في أذهاننا.

لنتفق أن الحياة لغز يصعب فهمه بصورة متكاملة دون تفتيته إلى جزئيات، وبعض ألغاز الحياة لا يفكّها سوى كتاب يجعلك تستحضر ذهنك ويفتح بصرك نحو آفاق جديدة في الحياة. فالأدب حصيلة تجارب اجتماعية متنوعة ووسيلة ناجحة في التغيير الاجتماعي.

المحور الثالث: النشر والرعاية


7. كيف كان اختيارك لدار النشر التي أصدرت روايتك الأولى؟

في الحقيقة، لم يخطر ببالي يومًا ما أن يصدر لي كتاب، فأنا فقط كنت أعلم أنني أحب الكتابة، لذلك كنت جاهلة عن دور النشر وما تقدمه من خدمات نحو الكُتّاب والكتب. فعندما تأكدت أن الوقت حان لإصدار أول رواية، بحثت عن معلومات عن دور النشر بمساعدة بعض الأصدقاء الذين أرشدوني إلى أهمية طباعة أعمالي الأدبية التي أشاركها معهم، وعلى رأسهم: الدكتور أتر يوت، الأستاذة الصديقة أثياك أبراهام، الأستاذ سبت ماقوك، والكاتب والمدقق اللغوي الأستاذ آدم إبراهيم، والذين لا تسع مساحتي الآن لذكر أسمائهم جميعًا، لهم الشكر العميق.

تحدثت بعدها مع بعض دور نشر بجوبا، وكان أول حديثي مع مدير دار رفيقي للطباعة والنشر، الراحل المقيم الأستاذ دينق قوج، الذي وضّح لي كيفية العمل وأرسل لي معلومات داره، ولكن شاءت الأقدار أن أصمت طويلًا لأسباب شخصية، دون أن أتخذ أي خطوة للنشر.

فحين فكرت بطريقة مجدية في النشر، رأيت دار نشر جديدة في بلادي صاعدة كالصاروخ، وكان صيتها يذيع عاليًا في فضاء الأعمال الأدبية، وهي دار ويلوز هاوس للطباعة والنشر. تواصلت مع مديرة الدار الأستاذة قاتا يمبا وتحدثت معها عن رغبتي في النشر معهم، ومن هنا تم ميلاد روايتي الأولى، ومن ثم الرواية الثانية.

كنت أبحث عن مصححين لغويين، وعن طريق دار ويلوز هاوس تعرفت على مدير دار آخر وهو الأستاذ زياد مبارك، مدير منشورات عندليب، لتصبح منشورات عندليب محطتي الثانية في علاقتي مع دور النشر. ومديرها هو المحرر لكتابي "ملخص في ثقافة قبيلة أنيواك بالسودان الجنوبي".

وأتذكر حينها أنني كنت أتواصل مع الأستاذ بركة ساكن أناقش معه بعض المواضيع الأدبية، ولقد شجعني الأستاذ بركة على نشر الكتاب مع منشورات عندليب، لتصبح الناشر لكتابي الثالث، ولي أيضًا رواية برعايتهم ستُنشر حين يحين وقت نشرها.

فتجربتي الشخصية مع دور النشر تجربة موفقة بحكم تواصلي المباشر معهم، وأتمنى أن تدوم تجربة ناجحة ومثمرة لكل منا، الكاتب والناشر.


8. ما التحديات التي واجهتك في الوصول إلى القارئ العربي من جنوب السودان؟

هذا سؤال مهم جدًا، وبكل شفافية التحديات عدة وليست تحدي قارئ العربية فحسب، ولكن سأركز في لبّ السؤال فقط.

دولة جنوب السودان لغتها الرسمية هي الإنجليزية، لغة التعليم واللغة المستخدمة في كل المؤسسات هي الإنجليزية، فليس هناك قارئ العربية سوى أولئك الذين كانوا قد تعلموا بالعربية قبل الانفصال.

فالجيل الجديد من أبناء بلادي يتعلمون بالإنجليزية سواء كان داخل البلاد أو خارجها، وحتى التحدث بالعربية شبه معدوم بين الجيل الجديد، فليس هناك قارئ العربية سوى الأجيال السابقة.

ولن تكون رواياتي في أيدي هؤلاء الأجيال إلا إذا ترجمت كل أعمالي إلى الإنجليزية، وهذا الأمر جعلني أفكر في المستقبل في كتابة أعمالي الأدبية بكلتا اللغتين الإنجليزية والعربية، ووفقًا لنوعية العمل، حتى يتمكن الأجيال الجديدة من الحصول على محتوياتي الأدبية والتعرف عليها.

لن أتخلى عن الكتابة بالعربية لأنها لغة انطلاقي التعليمية والأدبية، ولها الفضل فيما أنا عليه اليوم، فقط سأجعل الإنجليزية لغة من لغات أعمالي الأدبية، حتى يتمكن أطفالي أيضًا من قراءة ما تكتبه أمهم.

ابنتي البكر محتفظة بكل رواياتي وكتاب ثقافة القبيلة، وقالت:

"سأتعلم العربية فقط لأتمكن من قراءة هذه الكتب كما هي مكتوبة، لا أريد قراءة الكتب المترجمة، أريدها أصلية."


9. هل تؤمنين بأهمية وجود رعاية مؤسساتية للكاتب، أم أن الكاتب يصنع طريقه بجهده الخاص؟

لكل كاتب استراتيجيته الخاصة التي تساعده في الوصول إلى مبتغاه، وأنا أعتقد أن الكتابة إلهام، والشخص المُلهم بالكتابة فرد متمكن ذهنيًا، له المقدرة العالية في تجسيد أفكاره، وتحفيز الآخرين وتشكيل أفكارهم عبر شخصيته وإنجازاته.

فالكاتب يعرف بطريقة كافية كيف يصنع طريقه ببذل جهده الخاص دون التكلّف والرعاية من طرف أو مؤسسة أخرى. فأنا من صنعت نفسي بجهدي ورغبتي الأكيدة في التغيير المجتمعي عبر القلم، ولكن هذا لا يعني أنني لن أستعين بمؤسسة اجتماعية أدبية مختصة ترشدني نحو أن أكون كاتبة أفضل مما أنا عليه حالًا، إن وجدت طبعًا.


المحور الرابع: الاغتراب والحنين


10. كيف تصفين تجربة الاغتراب بالنسبة لك، وما أثرها على مخيلتك الأدبية؟

الاغتراب تجربة صعبة على نفسية المرء. قد يعتقد المرء أن مغادرة الوطن أمر طبيعي طالما أن الوطن لم يوفر لك ما يمكن أن يبقيك فيه، ولكن لمجرّد أن تضع رجليك في بلاد الغربة، يقتحمك من المشاعر السلبية أكثر مما يقتحمك من الإيجابية.

الاغتراب قد يكون تأثيره إيجابيًا وسلبيًا، لأنك تنصدم بواقع غير الواقع الذي رسمته لنفسك عن الغربة. كل شيء في الغربة لا يُمثل طبيعتك، عاداتك، وثقافتك! وهذا الأمر قد يدفعك إلى شعور بالقلق واضطرابات نفسية بالغة.

فتأثير الاغتراب قد يدفعك إلى إنتاج أعمال أدبية حزينة جدًا أو رائعة جدًا، وفي الآخر، الإبداع الأدبي يكمن في الأعمال الأدبية بكل أنواعها. قد يكتب المرء عن الحرب والتشرد، الموت والحزن، الاكتئاب والشجون المدفونة بين ضلوعه، ويبدع فيها أكثر من كتاباته عن الحب ورومانسية المحبين. الإبداع الأدبي أمر مختلف.


11. هل الحنين إلى الوطن يثقل النص أم يمنحه عمقًا وجمالًا؟

كم يشرفني هذا السؤال! برغم أن الإجابة عليه ستكون صعبة لارتباطه بالوطن، إلا أن هناك دائمًا حديثًا عن الوطن، حب الوطن ومكانة الوطن.

الوطن هو الحب الذي يشعل وجداني، والحنين إليه يضيق الصدر. الحنين كتلة مشاعر من الشوق، الشجون، الألم، والتفكير المستمر في الوطن، والأهل، وكل الذكريات.

الحنين يثقل القلب، والقلب إذا أُثقل يُنتج نصوصًا عميقة جميلة كجمال الأوطان وشعوبها. وطني يسكنني حيثما ذهبت ومكثت، وفي قلب نصوصي تجد وطني.


المحور الخامس: المشاريع الكتابية


13. ما الثيمة المشتركة التي تظلين وفية لها في روايتك المنشورة؟

الإنسانية والضمير؛ أي إذا حدث وأن المرء تجرد من إنسانيته لأسباب ما، وتصرف تصرفًا لا يليق بأخلاق الإنسان، عليه أن يعود إلى إنسانيته. ستجد في رواياتي أن هناك دائمًا مساحة للرحمة، الغفران، والعفو، حتى يصبح الكون مكانًا أفضل للجميع، وتصير الحياة بصورة أفضل عما هي عليه الآن.


14. حدثينا عن كتابك الذي يتناول قبيلتك: ما الذي دفعك لكتابته؟

الحديث عن كتابي الذي يحمل في طياته ثقافة قبيلتي أنيواك يشعرني بالفخر ويعزز انتمائي لها.

كانت هناك جدة جميلة، عمياء تحب حكي أساطير، قصص، عادات وتقاليد جماعة أنيواك، لحفيدتها النبية التي كانت تدوّن كل كلمة تُقال على مسامعها في ذاكرتها التي ما زالت تنمو.

ظلت الجدة تتحدث ولا تعلم أن ما تحكيه لحفيدتها سيكون عملًا أدبيًا في المستقبل. جدتي (أودول) والدة والدي هي الدافع الأول في تلك التجربة الفريدة.

أحببت قبيلتي، وخُلق في نفسي عشقًا وارتباطًا عميقًا ومؤثرًا بيني وبين قبيلتي، فأنا أحب قبيلتي، ومنذ الصغر أشعر أنني مدينة لها إن لم أوفِّ بواجبي تجاهها.

جمال ثقافتها المتميزة دفعني لحمل قلمي وأدوّن كل حلقة ثقافية بها، مثل: اللغة، أنواع الأطعمة، الغناء والرقص، الاعتقاد في البركة واللعنة، المعتقدات الدينية، الزواج وتسمية الأبناء، تتويج الملك، السلام والحرب، إلى أن اكتملت حلقات الكتاب.

فخورة أنني استطعت ولو بقدر قليل من المسؤولية أن أشارك العالم ثقافتي وثقافة قبيلتي وهويتها.


15. ما الرسالة الأساسية التي سعيتِ لإيصالها من خلال هذا الكتاب؟

الرسالة هي أن لكل قبيلة هويتها الثقافية التي تمتاز بها بين القبائل والشعوب، وقبيلة أنيواك مجتمع يتميز بتراث ثقافي جميل أردت أن أعرّف العالم به.


16. ما الذي يشغلك في مشروع ترجمته إلى لغات أخرى؟

غرضي الأساسي في كتابة هذا الكتاب هو تمليك الجيل الجديد من أبناء أنيواك معلومات عن ثقافة جماعتهم، فالأغلبية منهم تتعلم بالإنجليزية ولا تجيد قراءة العربية.

كما أن أبناء القبيلة الذين لا يتحدثون العربية، خاصة أولئك الذين يقطنون في دولة إثيوبيا، وأولئك الذين يقيمون في الدول الغربية، هؤلاء عندما سمعوا بالكتاب طالبوني بترجمته فورًا لكي يتمكنوا من قراءته.

وفي العام ٢٠٢٤ تمت دعوتي في الولايات المتحدة الأمريكية لحضور اليوم الثقافي لجماعة أنيواك، وكان الكتاب سبب دعوتي، وهناك طالبوني بترجمة الكتاب فورًا، فقبلت الطلب ونفذته.

أتمنى أن تتمكن كل أسرة من الجماعة من امتلاك نسخة خاصة بها.


17. هل تعتقدين أن الترجمة تعطي الكتاب حياة جديدة أم تُفقده شيئًا من أصالته؟

لا يفقد الكتاب شيئًا من أصالته إلا في حالة سوء الترجمة. إذا لم يتبع المترجم أسلوبًا أدبيًا في الترجمة يضل الكتاب عن محتواه.

فالترجمة الغرض منها هو توسيع النطاق الضيق للكتاب، عن طريق تبادل المعلومات، التجارب، والثقافات بين المجتمعات. الترجمة تعطي الكتاب حياة جديدة لكون المعلومات والأفكار المتوفرة به تمكّن من الوصول إلى عالم أوسع.


18. ما هو حلمك الشخصي في مشروعك الكتابي الأوسع؟

الحلم هو أن أقدم رسالة تغيّر من حياة الأفراد، والحلم هو ألا أتوقف عن الكتابة أبدًا إذا كان في كتاباتي حياة.


المحور السادس: المستقبل والمخططات


19. هل تعملين حاليًا على رواية جديدة أو مجموعة قصصية؟

نعم، لدي العديد من الأعمال المعلّقة، مجموعة قصصية، وروايات غير مكتملة، بعض القصص والروايات فقط تحتاج إلى المراجعة والتدقيق اللغوي.

أحيانًا أشعر بالضجر نسبة لطبيعة حياتي، ولكن لا أمانع أن أصنع وقتًا خاصًا يليق بالكتابة ومداعبة الكتب.


20. ما الذي ترغبين أن يبقى إرثًا أدبيًا باسمك بعد سنوات طويلة؟

الرواية، سأكون فخورة جدًا وأنا أترك باسمي روايات تحمل فكري، قيمي، وشخصيتي المتفردة.


21. إلى أي مدى تفكرين في دمج العمل الصحفي بالأدب في كتاب مستقبلي؟

أفكر أحيانًا عندما أتطلع إلى مقالاتي الصحفية، ولكن لقلة عملي الصحفي لا أعتقد بأنه سيكون هناك دمج للعمل الصحفي بالأدب في المستقبل القريب، ربما في المستقبل البعيد إن شاء الله.


المحور السابع: المنصات الأدبية والموهبة


22. كيف ترين دور المنصات الرقمية التي تدّعي اكتشاف المواهب الأدبية؟

المنصات الرقمية بيئة مساعدة تسهّل عملية التفاعل بين مستخدميها، وتساعد بصورة فعالة في تبادل المعلومات، فهي تفتح الفرص أمام الجميع ليعبّروا عن أنفسهم ويشاركوا مواهبهم وأفكارهم مع الآخرين تكنولوجيًا.

وشخصيًا أنا من محبي تلك المنصات، أستخدمها وأتابع كل ما فيها من المعلومات، ولا أرى أن العالم سيخطو خطوة إلى الوراء لنتجاهل دور هذه المنصات في حياتنا. العالم يتقدّم، وربما القادم أكبر مما تقدمه تلك المنصات الرقمية.


23. هل تعتقدين أنها أوهام بالعظمة أكثر من كونها تأسيسًا حقيقيًا؟

لا أعتقد أن تلك المنصات أوهام بالعظمة، ولا يمكن أن تكون كذلك. فيها من الإيجابيات أكثر من السلبيات، وسوء الاستخدام هو الذي يجعلها تبدو أوهامًا، لكنها مؤسسات حقيقية تهدف إلى تطوير الإنسان.


24. أم ترين فيها وجهة صحيحة يمكن أن توجه الكاتب إلى مبتغاه؟

بالضبط، الوجه الصحيح أراه في نفسي. منذ أن بدأت نشر نصوصي الأدبية، كنت أشاركها على تلك المنصات، ولا أنكر فضلهم عليّ، فالمتابعون بها شجعوني.

لا يمكننا أن نمحو الدور الناجح الذي لعبته تلك المنصات في التواصل الاجتماعي وتسهيل الخدمات في عدة وجوه؛ من تبادل الأفكار، المعلومات، التجارب والخبرات. على هذه المنصات تُدار محاضرات، وأوراق علمية وصحفية، ودوريات تدريبية، وكتب، وندوات على كل المستويات، والجميع يستفيد من تلك المنصات، وأنا أستفيد منها.


25. ما النصيحة التي تقدمينها للشباب الكتّاب الذين ينشرون على هذه المنصات؟

نصيحتي للشباب هي أنه ليس في تلك المنصات عيب، فالعيب في مستخدميها. قبل أن ترتادها، اعرف من تكون، وماذا تريد، وإلى أي مدى تريد أن تصلك إلى مبتغاك ككاتب، ولو كنت مبتدئًا.


26. وأخيرًا، ماذا تقولين لجمهورك الذي يتابعك بين الصحافة والرواية والعمل الإنساني؟

جمهوري هم طاقتي الإيجابية، لا يملّون من متابعتي ولا يبخلون بالتشجيع والإرشاد. لدي نماذج من الرسائل التي أحملها في قلبي قبل هاتفي، وسأحتفظ بكل كلمة جميلة قيلت في حقي، وكل كلمة مشجعة تدفعني إلى الأمام.

جمهوري العزيز، لقد خطفتم قلبي، أحبكم جميعًا وأعني كل ما أقوم به تجاهكم. أعترف أن كل ما أكتبه أقدّمه لكم من القلب، فأنا منكم وفيكم ولكم، وأتمنى دائمًا أن أكون على حسن ظنكم.

شكرًا لكم من أعماق نفسي المليئة بحبكم واعتزازكم.


شكندرة تشكر الكاتبة روزا أيزاك أجيبا على هذه المساحة الدافئة الظليلة، نتمنى لها كل التوفيق، أبحرنا معها بهذا الحوار إلى شواطئ من الرقي والرقة والبراح والونس الجميل، على أمل أن نلتقيها بحوارات قادمة وبإصدارات جديدة متألقة ولها بصمتها في التاريخ الأدبي العالمي.




الجمعة، 5 سبتمبر 2025

حوار شكندرة مع الروائي والقاص حسام الخطيب

شكندرة تحاور الكاتب الروائي والقاص حسام الخطيب 

المحور الأول: البدايات والكتابة كحياة

كيف تصف اللحظة الأولى التي شعرت فيها أنك وُلدت كاتبًا؟

الحقيقة أن معرفة اللحظة الأولى نسبية؛ إن ميلاد كاتب مثل ميلاد أي شخص، يبدأ باللحظة التي تتكون فيها النطفة، وهي في تلك الحالة كانت في مرحلة الدراسة الابتدائية يوم أن بدأت بقراءة الكثير من القصص الخاصة بالأطفال واليافعين، ثم وجدت في نفسي ميلًا إلى كتابة شيء مشابه، فتحركت أناملي من تلقاء نفسها لتسطر قصة طويلة اسمها "يوميات محمود" عن مغامرات فتى مهذب مع صديقه الشقي، وقد نالت استحسان المحيطين من حولي، وللأسف لم أحتفظ منها بنسخة.
ثم هناك لحظة تشكّل الجنين، وهي كانت بالمرحلة الإعدادية، حيث كتبت بعض القصص الدرامية وقد أثنى عليها بعض الأدباء والنقاد، ونالت نصيبها من النشر بجرائد محلية.
ثم لاحقًا، لحظة ولادة الجنين حينما نُشرت لي ثلاث قصص قصيرة بثلاث كتب مجمّعة.
وأخيرًا، مرحلة صرخة الجنين ليعلن عن وجوده بالحياة، وكانت حين تم نشر أربعة أعمال دفعة واحدة لي بمعرض القاهرة للكتاب لعام 2018، وكانت تلك اللحظة التي شعرتُ فيها أنني منذ البداية قد وُلدت وخُلقت للكتابة والإبداع.




ما الذي كان يحيط بك من مناخ مزاجي أو إنساني يشحذك على الكتابة؟

الكتابة عندي هي ردة فعل لما يجري من حولي، أنا أشبه الكاتب البوهيمي الذي يستخدم كل حدث أو عبارة أو صورة أمامه ليبني عليها قصة.
ربما شخص صادفته في قطار، أو صورة معلقة على جدران مقهى، أو حتى عبارة غير عادية قرأتها في كتاب، تلهمني قصة.
وكلما زاد عمق الإنسانية أو سطحيّتها من حولي، كلما شحذني ذلك للكتابة؛ مثل أحداث فلسطين الأخيرة، أوحت لي بالعشرات من القصص، التي — وللأسف — يلتحم فيها الحبر بالدم، والمزاج برائحة الدخان، والكلمات تصرخ بصوت يكاد يُسمع.
أما بالنسبة للمزاج، فأنا مزاجي جدًا بالكتابة، قد أكتب رواية قصيرة كاملة في ليلة واحدة، ثم أتوقف بعدها عن الكتابة لشهور، ولكني لا أنكر أنني غزير الإنتاج مقارنة بغيري، حتى إنني قد سعيتُ لأن أكون جورج سيمنون العرب.



هل كانت الكتابة عندك خيارًا واعيًا أم حاجة داخلية أقوى منك؟

في بداياتي وحتى صدر شبابي كانت الكتابة حاجة داخلية أقوى مني؛ تسرح يدي وتمسك بالقلم وتخط كلمات وأسطرًا وتنظم فصولًا ونهايات.
ثم مع الوقت تعودتُ أن أروض مهرة الكتابة الجامحة وأوجّهها، فصارت خيارًا واعيًا أقوم به بتركيز الجهد والوقت على كتابات بعينها بدلًا من زراعة بساتين شتى قد لا تناسب وقتها أو قراءها.

ما هي النصوص أو القراءات التي غذّت بداياتك الأولى؟

ربما تبدو الإجابة هنا طريفة؛ أنني قد تغذيتُ بشكل عشوائي، وربما قرأتُ كتب الكبار قبل كتب الصغار بشكل غير مقصود، حيث إنني عشتُ بمدينة هامشية بذلك الوقت لا تصلها الكتب، وكان عليّ السفر إلى مدينة أخرى للحصول على كتب ومجلات.
كان هناك مكتبات جيدة بالمدارس التي درستُ بها، ولكن سرعتي بالقراءة فاقت قدرتهم على إعارة الكتب، ولذا كنت أتحول إلى مفترس حينما يصل في يدي أي كتاب حتى لو كانت لغته ثقيلة أو أفكاره غير عادية بالنسبة لطفل.
قرأتُ عن الشيوعية والماركسية مثلًا حينما كنت طفلًا، وقرأتُ قصص تان تان المصورة بعدها.
كنتُ مثل دودة الكتب الجشعة التي لا تشبع وتأكل كل منشور في طريقها.
ولكن إجمالًا، أنا تربيتُ ونشأتُ على كتابات متعددة لأساتذة الكتابة مثل جول فيرن، و"اتش. جي. ويلز"، وآسيموف، وتولستوي، والأخوات برونتي، وعباس العقاد، ومصطفى محمود، وإحسان عبد القدوس، وعبد الحميد جودة السحار.
تلاهم نبيل فاروق وأحمد خالد توفيق، وذلك الأخير له نصيب الأسد من تشكيل الكثير من أفكاري مثل أغلب جيل الشباب.
تزامن ذلك مع قراءات متنوعة وعديدة في الجغرافيا والتاريخ والعلوم والسياسة والاقتصاد وغيرها من المعارف.




كيف تعاملت مع العزلة أو الصمت حينها: كحليف أم كخصم؟

الغريب أني أعتبر العزلة مثل خصم، وأفضل أن يحيط بي الناس بينما أكتب؛ أشعر بهم، أراهم.
ولذا أفضل أعمالي كتبتها على مقاهٍ عامة أو وسط أولادي بالمنزل، أو وهناك شخص إلى جواري يتحدث أو يعمل.

المحور الثاني: النشر والتحديات

حدثنا عن تجربة نشرك الأول: ما العوائق التي واجهتك؟

تلك قصة موجعة، وأعتقد أن معظم الكُتّاب، خاصة الذين من كُتّاب الأقاليم مثلي، مرّوا بمثلها.
لقد كانت لحظة نشري الأولى مثل ولادة من الخاصرة، استغرقت وقتًا طويلًا، وصل لأكثر من عشرين سنة منذ بدايات معرفتي بالكتابة، حيث إنه في زمني وبالنسبة لفتى من الأقاليم كان النشر يتطلب منك أن ترسل أعمالك لجهات معينة لا تملك الوصول لها ولا تضمن اهتمامها بعملك.
وكذلك كنتُ من السذاجة ألا أحتفظ بنسخة من أعمالي تلك، فضاعت بين يدي الإهمال وعدم الاكتراث.
كنتُ أراسل المجلات والصحف وأحيانًا دور النشر، ولكن بلا جدوى ولا رد.
حتى تطورت الحياة وأصبحت دور النشر تعلن عن نفسها بعناوين بريد إلكتروني سهلة الوصول والمراسلة، فجربتُ حظي بقصص قصيرة بالبداية وتم قبولها للنشر، ثم تم قبول أول عمل لي، وهي مجموعة قصصية بعنوان "بيت من خمس غرف" للنشر.
وبعدها صار الأمر أسهل من ذي قبل، حتى إن بعض الدور كانت تتواصل معي من تلقاء نفسها.
ولكن ما يبدو الآن سهلًا، كان في فترة من مضارب الخيال.



هل وجدت من يتبنى صوتك بسهولة، أم أن الطريق كان وعِرًا؟

كانت هناك محاولات صادقة من بعض الأهل والأصدقاء، ولكن الطريق ظلّ وعرًا على الجميع، ولذا تأخرتُ في الظهور والانتشار لفترة متأخرة من عمري.
هذه آفة ذلك العصر، أن صاحب الموهبة يعاني لإظهارها حتى إن البعض يملّ ويترك الأمر برمته.
وأكاد أجزم أننا قد خسرنا بسبب ذلك المئات من أعظم الكُتّاب وأفضل الفنانين وأبرع الرسامين.
ولذا أحاول من وقت لآخر أن أساعد الأقلام الشابة في الظهور والحصول على نصيبها من الفرصة الأولى.


هل ترى أن النشر في العالم العربي صراع بقاء أم اختبار للموهبة؟

هو صراع بقاء أكثر منه اختبارًا للموهبة؛ فالنشر يعاني من عقبات متعددة: اقتصادية، وفنية، وتسويقية، بل وقانونية.
والدور الكبيرة ذات الإمكانيات تلتهم فرصة بقاء الدور الصغيرة، كما أن ذائقة القراءة اختلفت، فدخلت فيها اعتبارات عدة غير المحتوى.
وهذا ما يفسر سبب نفاد طبعات متعددة من كتاب بلا قيمة فكرية تُذكر لأحد مشاهير السوشيال ميديا في يوم واحد، بينما كانت إلى جواره رواية حائزة على جوائز باعت نسختين فقط.
فهو صراع بقاء للأكثر صبرًا، والأطول نفسًا، والأقدر مرونة على الاستمرار والمواكبة.


ما الفارق الذي أحدثه كتابك الأول في نظرتك للذات وللعالم؟

كتابي الأول جعلني أعيد النظر في صياغة مشروعي الأدبي؛ فقد نشرت أربعة كتب دفعة واحدة في مجالات مختلفة، وكنتُ أتمنى لو جمعها وحواها مشروع أدبي واحد.
ولذا عملتُ منذ ذلك الوقت على تحديد ملامح مشروعي الأدبي.
كما أن نظرتي لذاتي اختلفت؛ ورأيتُ أنه عليّ صقل موهبتي أكثر، فهناك المئات من الكُتّاب الرائعين بالمجال، ومن يتخلف عن الركب في تطوير ذاته وأدواته ورسائله، يخرج خارج دائرة اختيارات القراء.


هل شعرت يومًا أن غياب الدعم قد يُخمد الكتابة بداخلك؟

حدث ذلك كثيرًا، ولكني كنتُ أخلوا بنفسي وأسألها:
"لماذا تكتبين؟ هل للناس أم لذاتك؟ هل للشهرة أم لمنفعة الناس؟"
وتلك الإجابات التي تخبرني أني أكتب من أجل الإحساس بذاتي، ولمنفعة الناس، كانت تحفزني من جديد وتشعل النار في رماد الكتابة الخامد.

المحور الثالث: الأدب والشباب

كيف ترى لونيات الكتابة عند جيل الشباب اليوم؟

هنا المشكلة الكبرى، معظم جيل الشباب من الكتاب تخصصوا وتزاحموا في لون واحد من الكتابة، وهو كتابة الرعب، وبعدها الكتابات الرومانسية، وخاصة الكاتبات منهن، تاركين الكثير من المقاعد الفارغة والأماكن المتاحة التي بلا كتاب على الإطلاق مثل: أدب الخيال العلمي، والبوليسي، والجاسوسية، وأدب الرسائل، واليوميات، وأدب الغرائبية.
فقد اندهشت، مثلًا، أنه لم يعد هناك من يكتب بأدب الجاسوسية على الإطلاق بعد وفاة الكاتب الراحل نبيل فاروق، وهو الذي تسلّم ذلك الأدب من صالح مرسي، وهذا حداني لملء ذلك الفراغ بكتابة مجموعة روايات قصيرة عن أدب الجاسوسية تحت اسم متحف المخابرات.
بالنسبة لأدب الخيال العلمي، هناك أربعة أو خمسة كتاب بارزون في ذلك المجال فقط، أنا أحدهم، وإن قلت أقلهم إنتاجًا، وتلك مشكلة.
نحن لا نعاني من قلة الكتاب، ولكن نعاني من غزارة في الإنتاج وسوء في التوزيع.

برأيك، هل الأدب العربي الآن في حالة تطور، تراجع، أم تحوّل؟

لا أعتقد أبدًا أن الأدب العربي في حالة تراجع، هو في حالة تطور دائم، وهناك أقلام عربية تفوق مثيلاتها من الغرب والشرق، ولكنها لم تنل حظها من الانتشار لأسباب مختلفة، ولكن نصيب الأدب العربي من قراءات العالم قليل جدًا، وهذه هي المشكلة.

ما الذي يضيفه اختلاف الأجيال للكتابة، وما الذي يسلبه منها؟

يضيف الكثير، أنا مثلًا قد أستطيع أن أكتب رواية كاملة تحدث كمحادثة نصية عبر الواتس أب، بينما لا أستطيع أن أكتب رواية تاريخية في أجواء الستينات لأني لا أستطيع تكوين صورة واضحة عنها.
اختلاف الأجيال يفيد في تنوع الأفكار وكثرتها وحسن الكتابة عنها.
والشيء الوحيد السلبي أن الأدباء القدامى الكبار قد يسلبون نصيب أجيال الكتاب الجدد، حتى الأموات منهم، ولذا لا تتعجب إن اشترى أحدهم عملًا لأديب مات منذ قرن، وأختاره على كتاب عبقري لكاتب حديث لا يعرف اسمه.


هل تجد أن انفتاح الشباب على المنصات الرقمية منح الأدب اتساعًا أم تشويشًا؟

أعتقد أنه تشويشًا، كثرة الأفكار وتعارضها المستمر يسبب إرباكًا للعقل، وخاصة أن معظم تلك القنوات غير محكومة، وربما لها أجندات معينة تديرها وتوجهها في غير مصلحة الفرد والمجتمع، كما أن معظم المنصات الرقمية تعرض محتوى غثًّا.


لو كنت في بداياتك اليوم، هل كنت ستسلك الطريق نفسه أم طريقًا جديدًا؟

كنت سأتخذ طريقًا مختلفًا بالتأكيد، أولًا كنت سألجأ للكتابة على الإنترنت في البداية بدلًا من الاندفاع نحو النشر الورقي، وكنت سأتخصص في نوع بعينه من الأدب دون سواه ضمن مشروع أدبي محدد الملامح والهدف، وربما اتجهت لترجمة أعمالي في ذات الوقت حتى تحظى بعناية القراء عبر العالم.


المحور الرابع: جوهر الأدب والكاتب العربي

ما الذي يفتقده الكاتب العربي رغم امتلاكه موهبة فذة؟

يفتقد ثلاثة أشياء:

1. وجود التسويق: كم من مواهب فذة دفنها سوء التسويق لأعمالهم.


2. الانتشار: نبيل فاروق مثلًا في عظمة عظيموف، ولكن لا يوجد أي أعمال تذكر مترجمة له، ولذا بقي حبيس المنطقة العربية.


3. وجود مشروع أدبي واضح.

هل تكفي الموهبة وحدها ليحيا الأدب، أم أن الأمر يتطلب منظومة متكاملة؟

الموهبة وحدها لا تكفي، هناك منظومة كاملة من: القارئ الواعي، الناشر المثقف، الحكومة الداعمة، والمكتبات الذكية، وغيرها.
الموهبة لوحدها لن تصمد.


ما الدور الذي يجب أن تؤديه دور النشر لتكون رسالة الأدب كاملة وتشاركية؟

عليها العمل على برامج اكتشاف المواهب، كما قلت الأقاليم والقرى لا تحظى بفرصتها، وربما لديهم مواهب فذة أوشكت أن تيأس.
كما عليهم تغيير الآليات القديمة في النشر والتسويق، وعدم التهافت على نشر المترجمات بشكل مبالغ فيه.
لقد رأيتُ مثلا عشر دور نشر نشرت رواية مزرعة الحيوانات لجورج أورويل بأغلفة مختلفة وبترجمات مختلفة في موسم واحد، هذا يعني ضياع عشر فرص لنشر أعمال جديدة لكتاب عرب.


إلى أي حد يمكن للنقد أن يوجّه الكتابة أو يقيها من التكرار؟

أعتقد أن النقد هو آفة الأدب العربي؛ فعدد النقاد المهنيين قليل، وأغلب من يعمل بالنقد متحيز، كما أن الكثير منهم هدام.
ربما يحتاج الأمر لإعادة تعريف النقد ومعاييره.


ما الذي يهمّك أكثر: أن يقرأك الجمهور العريض أم أن تصل لقرّاء نوعيين قلائل؟

أعتقد أنني يهمّني بعد النضج الأدبي أن أصل إلى قرّاء نوعيين، لأن هناك رسائل عميقة أحاول أن أجد من يلتقطها ويطبقها على الأرض.

المحور الخامس: مشروعك الشخصي ورؤيتك المستقبلية

ما الثيمة المشتركة التي تراها تربط بين كتاباتك: الموضوعات، أم السرد، أم البنية القصصية؟

أعتقد أن الثيمة المشتركة هما شيئان: العائلة والاغتراب.

إلى أين تريد أن تمضي بمشروعك الكتابي؟

إلى أن يكون له مدرسة وأنصار ينقلون تلك الأفكار ويتشاركونها ويشرحونها للعالم.

ما الأفق الذي تحلم أن يبلغه اسمك بعد عشر سنوات من الآن؟

كنت لأقول جائزة نوبل، ولكن الكاتب يضيف للجائزة وليس العكس، ولذا سأقول أحلم أن يصير اسمي وحده مرادفًا لجودة محتوى الكتاب.

لو لخصت مشروعك الأدبي بكلمة واحدة، ما هي؟

الهوية.


هل من نصّ ترى فيه صورتك الأوضح حتى الآن؟

من النصوص التي كتبتها هناك نص هو الأقرب لقلبي عن قصة رجل مغترب يعود لقريته بعد فترة من الزمن ليجد أن كل شيء قد تغير، هذه هي الأقرب لصورتي.

من نصوص الآخرين قد تجد صورتي في شخصية علاء عبد العظيم بسلسلة سافاري الشهيرة.

هناك نص كتبته عن أحدهم ولكني أرى نفسي فيه كذلك:

يتبادل النظرات مع سقف غرفته وكلاهما يقسم أن الانهيار قريب، مضت ثلاثة أسابيع منذ أن بدأت تلك الحالة الغريبة تجتاح حياته، يتململ بالفراش، يسمع صوتًا يشبه الهمس قائلاً له: "ألا تفكر في الخروج؟" هذا صوت هواه، قبل أن يجيب يسارع صوت آخر ليجيب بدلًا عنه: "لا شيء بالخارج سوى كل قبيح، دعنا نبق هنا."
هذا كان صوت نفسه، أما هو فلم يعد هناك، فقط أصوات كثيرة تتحادث.
طفل صغير يقول: "أنا جائع، أرغب في تناول الكيوي." لا يعرف الكيوي ولا يظن أنه أكله من قبل، ولكن تلك الأصوات لا تستأذنه قبل الحديث.
هناك صوت مخيف يطالبه بصرامة بين حين وآخر بأن يلقى نفسه من النافذة، ولكنه يتظاهر بعدم سماعه، وإن تكرر الصوت يبكي بحرقة حتى يذهب.
خرج مسرعًا وجلس قرب بيته، اقترب منه أحدهم وهو يربت على كتفه قائلاً: "علام الهم؟"
رد عليه: "أنا وحيد أكثر من وحدة الصبار بالصحراء."
رد عليه الآخر: "يا حرام… سأظل معك ولن تكون وحيدًا… تفضل مني لفافة التبغ تلك ودخن ولا تهتم."
مد يده، فلم يجد الرجل، كان هو من يتحدث مع نفسه طيلة الوقت.


المحور السادس: التكنولوجيا والكتابة

كيف ترى تأثير الذكاء الاصطناعي على الورقة ولمسة الكاتب؟

للأسف الذكاء الاصطناعي أصبح متطورًا للغاية، لقد قرأت بعض الأعمال التي كتبت بواسطة الذكاء الاصطناعي، وللأسف أقول إنها جيدة، وهذا يقلق عن مستقبل الأدب، خاصة في ضوء كمية ما قد ينتجه الذكاء الاصطناعي من نصوص وقصص في فترة وجيزة،

ولكن هناك شيء واحد يفتقده الذكاء الاصطناعي حتى الآن، وهو المشاعر، هو يمكن أن يمنحك قصة جميلة عن رحلة لاثنين من الأصدقاء، ولكنه لا يمكن أن يرسم لك ملامح العلاقة بين هذين الصديقين.


هل تعتقد أن حضور التقنية يهدّد الأدب الورقي أم يمنحه بعدًا جديدًا؟

أعتقد أنه يمنح الأدب الورقي فرصة من خلال سهولة الترجمة والوصول والانتشار وكذلك التسويق، ولكن سيؤثر على حجم المبيعات بالطبع.


ما موقفك من النصوص المُولَّدة آليًا: اجتهاد قابل للحوار أم خطر على الأصالة؟

لا أراها خطرًا على الأصالة، كما قلت هي جيدة لو حظيت بلمسة بشرية واضحة بعد الكتابة، ولا يمكن أن تلغي الأصالة التي تحظى بها غيرها من الأعمال.

المحور السابع: المنصات والمشاريع الخاصة

كيف ترى وجود المنصات الأدبية الرقمية: 
هل هو زخم هلامي عابر أم أثر جبلي راسخ؟

أعتقد أنه أثر جبلي راسخ سيستمر ويتطور مع الوقت وليس مجرد شيء عابر، ولكن الخطر أن تلك الأعمال العظيمة الكثيرة مخزونة على شيء ربما يُمحى بفيروس بسيط أو ضغطة زر خاطئة، من يحفظ ذلك من الاندثار؟ سؤال للتأمل.


حدثنا عن مشروعك "ميلينيوم": هل سيستمر بنهج مختلف في عودته؟

سنعمل على الجزء الثاني من "ميلينيوم"، فقد كان مشروعًا رائدًا متفردًا، ألف قصة ميكروفيكشن في كتاب واحد، ولكن سيكون هناك فريق جديد من الكُتّاب وربما ينطلق في البداية عبر منصة رقمية مع حفظ الحقوق الأدبية.


شكندرة تشكر الكاتب الروائي والقاص حسام الخطيب على هذه السانحة المتميزة به، سعدنا حقا بكل أجوبته، وأضاف لحوار شكندرة قيمة ومعرفة، نأمل أن نلتقيه قريبا بأعمال جديدة ومشاريع أدبية يُشهد لها بالتفرد والفائدة.







صوت الناشر يحاور دار اسكرايب للنشر والتوزيع ومديرها العام يوسف حسين

حوار مدونة شكندرة مع مدير دار اسكرايب للنشر والتوزيع، الأستاذ الكاتب الروائي يوسف حسين. أولًا: عن التجربة الروائية والشخصية 1- كيف بدأت رحلت...