حوار شكندرة يلتقي في «صوت الناشر»
دار الأجنحة للطباعة والنشر والتوزيع ومؤسسها ومديرها العام متوكل زروق
حول البدايات والفكرة
1/ متى بدأت أول شرارة لفكرة دار الأجنحة تتقد في ذهنكم؟
بخوضي لتجربتي نشر ككاتب بصدور ديواني الأول عن دار نشر من خارج السودان وآخر مع جهة حكومية داخل السودان وما صاحب التجربتين من قصور، تكشَّف لي أن شيئًا من هذا القصور مرتبط بعدم وجود رؤًى عميقة وواضحة حول عملية النشر في تفكير المؤسسات القائمة بمسؤولية النشر بالأخص السودانية.
بناءً على ذلك كنت أرى أن واحدًا من أنجع الحلول لهذه المشكلة هو أن يتولى بعضٌ من الناشطين في فعل الإبداع والمعرفة بصورة عامة إدارة شأنهم في كل المجالات ومنها مجال النشر، فبدأت فكرة تأسيس وإدارة دار نشر تبذر جزاميرها وترسخ في الذهن.
لاحقًا وخلال مشاركتي في مهرجان الشارقة للشعر العربي بدولة الإمارات في العام 2020م، ناقشت الأمر مع صديقين عزيزين، كلٌّ على حدة (الشاعر عمر أبو عُرُف) والكاتبة الروائية (آن الصافي) وقد عززا الفكرة على أن تكون مع الأيام مؤسسةً معرفيةً متكاملة.
2/ هل جاءت الفكرة كحلم شاعر يريد فضاءً لنشر الكلمة، أم كمشروع مدروس بعين الناشر؟
نعم، لقد تمت دراسة الفكرة بتأنٍ وتدقيق من خلال دراسة جدوى شاملة تم بناءً عليها اتخاذ قرار التأسيس.
لم يكن الأمر مرتبطًا بالبحث عن فضاء بقدر ما هي مغامرة ابتداع فضاء أوسع لتعزيز المعارف السودانية ونقلها إلى العالم.
3/ ما الذكرى الأولى التي تستحضرها حين تتحدث عن لحظة ميلاد الأجنحة؟
الكثير من الذكريات المتباينة، دعم الأصدقاء والزملاء رغم قناعتهم بعدم جدوى الاستثمار في المعرفة، تثبيط البعض وإصرارهم على أن أي استثمار في غير الأكل والملبس والاتصالات لن يكون مصيره إلا الفشل، وهناك الطريف من الذكريات حيث نصحني أحد أساتذتنا الأجلاء بعد أن طرحت عليه الفكرة قائلًا: (هسَّه كِن عملت ليك قدرة فول ما أحسن؟).
كان بعض الأصدقاء يسألونني من غربتهم في المهاجر، (الناس بتلم قروش عشان تسافر وانت بتعمل ليك في دار نشر؟).
كنت فقط أحاول النجاح في بلدي.
4/ كيف كانت خطواتكم الأولى لتحويل الفكرة من ومضة في الرأس إلى دار نشر قائمة؟
باتخاذ قرار التأسيس عملت على خطوتين مهمتين، الأولى عملت دراسة جدوى لقياس مدى جدوى المشروع من عدمه، والثانية استبيان متخصص لمديري دور النشر والكُتَّاب، حصلنا من خلالهما على معلومات قمنا بتحليلها، وضعنا يدنا على المخاطر وحددنا طرق مواجهتها فكان القرار في صالح قيام المشروع، كل هذا لازمه التوفيق وتيسير مدبر الأمر.
5/ هل استلهمتم التجربة من نموذج محدد في الساحة العربية أو العالمية؟
لم يكن هناك نموذج محدد ألهمنا الفكرة، إنما الحالة العامة لوضع النشر في البلد هو ما ألهمنا فكرة المشروع، لكننا نتخذ من كل التجارب الماثلة نماذجًا نتعلم منها ونُربي تجربتنا.
عن العقبات والتحديات
6/ ما أبرز العقبات التي اصطدمت بها الأجنحة في بداياتها؟
أي مشروع في طور التأسيس يواجه عقبات، ونحن واجهنا الكثير منها صعوبة إيجاد مقر دائم للدار يكون مناسبًا من حيث المكان والتجهيزات، ومهمة إقناع الكُتَّاب بمشروعنا، لكن التحضير المسبق لمواجهتها سهَّل علينا تجاوزها.
7/ كيف تعاملتم مع تحديات سوق النشر وسط الظروف الاقتصادية والثقافية الراهنة؟
في الأساس التنظيم وطريقة بناء الهياكل التنظيمية للمؤسسات هي التي تحدد طريقة مواجهتها للتحديات، ونحن عملنا على بناء هيكل تنظيمي مرن لمواكبة التحديات وتسويتها عن طريق الدوامات الجزئية والعمل بطريقة تشكيل أتيام المشروعات الحالية.
8/ هل كان الحصول على ثقة الكتّاب أصعب أم الوصول إلى القرّاء؟
قدمنا لهم رؤيةً واضحة، خاطبنا طموحهم في الحاجة إلى التبشير بأعمالهم وهدأنا من مخاوفهم بشأن عملية النشر، إن مسائل مثل الشفافية والجودة والالتزام بالتوقيتات هي من أكبر هواجس الكُتَّاب، فقد عملنا عليها بجدٍ من مرحلة الاتفاق وحتى مرحلة التوزيع وانتهاء الآجال.
9/ هل واجهت الدار عراقيل رسمية أو إدارية أثّرت على انطلاقتها؟
في بلدنا هذا -للأسف- فإن العراقيل الرسمية والإدارية في كل مكان و -للأسف- أننا اعتدنا عليها ونتحملها بصبرٍ ونعمل على قبولها كأمرٍ عادي.
10/ لو عاد بك الزمن، ما الخطأ الذي كنت ستتفاداه في إدارة البدايات؟
لن يعود الزمن إلى الوراء، تلك أمنيةٌ بنت (لو). لكن هناك الكثير من أخطاء البدايات وقلة التجربة إذا لقيناها مرةً أخرى فلن نتعامل معها بنفس الطريقة ولن نتخذ نفس القرارات التي واجهناها بها في السابق.
عن النجاحات والجوائز
11/ ما أول نجاح شعرت معه أن الأجنحة حلّقت فعلًا؟
ربَّما هناك حدثان، الأول هو حفل توقيع ديوان (الرحيق على شفة السنبلة) للصديق الشاعر أسامة تاج السر، فقد كان أول إصداراتنا يومها كانت أول فعالية تقيمها الدار، فقد كانت صرخة الميلاد الحقيقية، كان الحضور كبيرًا ونوعيًا... كان يومًا لا يُنسى.
أما الحدث الثاني فكان يوم فوزنا بجائزة نيرفانا لأفضل دار نشر سودانية للعام 2021م، بعد عام واحدٍ من التأسيس.
12/ حدثنا عن أهم الجوائز أو التكريمات التي نالتها الدار، وماذا تعني لكم شخصيًا؟
أولًا: جائزة نيرفانا لأفضل دار نشر سودانية عام 2021م
ثانيًا: فوز ديوان (أخيطُ على مقاس العطر) للشاعرة ابتهال تريتر بجائزة الأمير عبد الله الفيصل للشعر العربي، والصادر عن الدار.
ثالثاً: حصول الدار على حقوق النشر والتوزيع لأعمال مبادرة كتابة لنشر الشعر السوداني.
رابعاً: الفوز بمنحة الكتابة الإبداعية والنقدية، عن الصندوق العربي للثقافة والفنون (آفاق) لتمويل طباعة – موسوعة الأدب العربي الروائي التشادي.
كلها تعني لي أننا في الطريق الصحيحة نحو وضع سهمنا واسمنا وعلامتنا في المكان الذي نطمح إليه.
13/ هل ترون أن الجوائز معيار حقيقي لنجاح دور النشر، أم أن النجاح يقاس برضا القرّاء؟
ربما هي تقدير لجهدك حسب رؤية مقدميها، لكنها لا تعني النجاح، فالنجاح قائم على الاستمرارية، أين كنت تقف وكم خطوة تقدمت؟ وهل أنت مستمرٌ في التقدم؟
النجاح في هذا المجال هو أن تصل القُرَّاء بالكُتَّاب في أعلى نقطة من الجودة والرضا وأن تستمر في ذلك.
14/ ما الكتاب أو الإصدار الذي شكّل علامة فارقة في مسيرة الأجنحة؟
لقد عملنا منذ البداية على الجودة كعامل أساسي في تحقيق هدفنا، كل كتاب ننجزه ويفي سياستنا بشأن جودة المحتوى والمضمون ويرضي الكاتب والقارئ، نعتبره علامةً فارقةً في مسيرتنا.
15/ كيف تصفون اليوم حصيلة إنجازاتكم مقارنة بما خططتم له عند التأسيس؟
الحصيلة ربَّما مرضية لكننا متطلبون، ليس لرضانا نقطةٌ معينة فحيث انتهينا إلى نقطة حددناها مسبقًا صعدنا إلى نقطة أعلى، وإن لم تكن هناك نقطةٌ أعلى وضعنا لنا نقطة وقاتلنا للوصول إليها، نحن أوفياء للاستمرارية.
عن المعارض والحضور الثقافي
16/ كم عدد المعارض التي شاركتم بها محليًا وعربيًا حتى الآن؟
منذ السنة الثانية للتأسيس وإلى الآن شاركنا في كل معارض الكتاب في المنطقة العربية باستمرار ووصلنا إلى معرض إسطنبول للكتاب العربي بتركيا، إيمانًا منا بكُتَّابنا وبحقهم في الانتشار.
17/ ما المعرض الذي تعتبرونه منصة الانطلاق الحقيقية لـ الأجنحة؟
لقد كانت انطلاقتنا الأولى للمعارض الخارجية من معرض أبو ظبي الدولي للكتاب بدولة الإمارات، ونحتفظ بذكريات جميلة وتجربة مفيدة عن هذا المعرض.
18/ كيف تقيّمون أثر المعارض على الانتشار وبناء شبكة علاقات مع القرّاء والناشرين؟
أثرها عظيم ومفيد من كافة النواحي على انتشار الكُتَّاب وتعزيز صورة الدار لدى العملاء في سوق النشر.
19/ هل من تجربة أو موقف لا يُنسى رافق مشاركتكم في أحد المعارض؟
في معرض رحلتي إلى إسطنبول للكتاب العربي في العام 2022م كانت عندنا عناوين مهمة لم تكن متوفرة في محطة الشحن بالقاهرة لذلك اضطررت إلى أخذها معي في شنطة بصحبة راكب من الخرطوم مما تسبب لي في مشكلة زيادة وزن الأمتعة وفي وسط حيرتي في كيفية التصرف كان هناك شاب يقوم بالوزن بعدي وقبل أن أكلمه طلب مني الوزن الزائد ووزنه مع أمتعته وأعطاني البوردينج، لكنني عندما صعدت إلى الطائرة لم أره وعرفت من المضيفة أنه تأخر خارج صالة المسافرين ولم يتمكن من اللحاق بالطائرة وأعيدت له كل أمتعته والتي فيها شنطتي التي بها كل ملابسي، ثم تأخرت في المطار والافتتاح صباح الغد والجناح غير مرتب، لذلك ذهبت مباشرة إلى مقر المعرض، يومها نمت على أرضية الجناح وباشرت تسيير الجناح بنفس ملابس السفر التي نمت بها على الأرضية، كان يومًا صعباً بأحداث لا تنسى.
20/ ما خططكم لتوسيع حضور الأجنحة في معارض أخرى خارج المنطقة؟
جهة المغرب العربي لم نصلها بعد لكننا عازمون على الذهاب في القريب إن شاء الله بالإضافة إلى معرض فرانكفورت، فهو مهم وجماهيري وجاذب.
عن الرؤية والمستقبل
21/ برأيكم، ما الذي يميز الأجنحة عن غيرها من دور النشر السودانية والعربية؟
الصحيح والمنصف هو أن الأجنحة تغطي مساحة معتبرةً لكنها مكملة لمجهودات الدور السودانية لتغطية المشهد كاملًا.
22/ كيف توفقون بين رؤيتكم كشاعر ورؤيتكم كناشر يحكمه الجانب التجاري؟
المسألة سهلة لو أن هناك خلفية عن إدارة المشروعات، فبحكم دراستي لإدارة الأعمال عندي الخبرة المعقولة لإدارة مشروعي الشخصي، ووظيفتي كمدير لمشروع معرفي، قد تتداخل عليك بعض الأمور من حيث الصفات الشخصية والصورة الذهنية النمطية للناس من حولك، هناك القليل من التعقيدات لكن نتكيف معها.
23/ ما المكانة التي تطمحون أن تصل إليها الأجنحة خلال السنوات القادمة؟
نأمل أن نحقق هدفنا السامي في توفير المعارف السودانية والصعود بها إلى أيِّ مكانٍ في العالم يقبل المعرفة ويحترم الإنسان، وأن نجلب أهم معارف العالم إلى أرفف المكتبات السودانية.
24/ ما النصيحة التي تقدمونها لشاب/ة يريد اليوم تأسيس دار نشر؟
أن تتجهز لمواجهة التحديات والمصاعب، وأن تؤمن بقدرتك على النجاح، وأن تمتثل لتقاليد وأخلاقيات وأدبيات صناعة النشر.
25/ عن آفاق: هل سعت دار الأجنحة فعلاً للتقدم للحصول على منحة "الكتابات الإبداعية والنقدية" من آفاق؟ وما الذي دفعكم لاختيار هذا البرنامج؟
هي فرصة للعمل في مشروعات أكبر، لقد قدمنا لها بالفعل وبتوفيق من الله وأهمية المشروع وُفِّقنا في الحصول على منحة هذا العام.
26/ فما أبرز النقاط التي ركزتم عليها في المشروع المشارك بالمنحة؟ وكيف عبّرت تلك النقاط عن محتوى أو تطلعات خاصة بـ"الأجنحة"؟
ركزنا على أن يكون العمل مستوعبًا لقدر كبير من المادة المقدمة بحيث تغطي أكبر عدد من الكُتَّاب ومساحة أوفر من القُرَّاء، وأن نؤسس لمرجع للأدب العربي الروائي في واحدة من دول أفريقيا جنوب الصحراء وهي دولة تشاد، لأن بها منذ منتصف الألفينات حركة معرفية ناهضة وكثيفة، وقد شكَّلت الرواية المكتوبة باللغة العربية علامةً فارقةً فيها، لذلك أردنا توفير مستندًا مرجعيًّا يمكن أن يفيد في التعرف على جذر التجربة ويمثل مستندًا يمكن أن تُحاكم عليه.
27/ برأيكم، ما أبرز التحديات التي قد تكون واجهتكم خلال رحلة التقديم (مثل إعداد المواد الداعمة، الميزانية، إلخ)؟ وكيف تعاملتم معها؟
نحن أصلاً لمَّا قدمنا للمنحة كنا قد جمعنا أكثر من 70% من مادتها واتخذنا قراراً بأن نكمل العمل حتى في حال لم نحصل على المنحة، أستطيع أن أخبرك بصدق أن التحدي الذي واجهنا هو المفاضلة بين ما نحتاجه من نصوص وما وصلنا إلى الآن، لقد خططنا لتضمين خمسة عشر عملاً وما جمعناه إلى الآن أكثر من ذلك بكثير.
28/ كيف ترون تأثير مثل هذه المنح على نمو دور النشر العربية؟ وهل تعتقدون أن المنح تمثل بارقة دعم حقيقية لمشاريع مثل "الأجنحة"؟
إنها مهمة، خاصة مع الوضع الاقتصادي الذي نعيشه والذي يلقي بظلاله على طموحات دور النشر في خدمة المشهد المعرفي.
29/ وأخيرًا، ما "الجناح" الذي ما زلتم تحلمون أن تضيفوه إلى الأجنحة كي تكتمل رحلتها؟
لقد تخطينا مرحلة الأحلام، أصبحنا أكثر قربًا من الواقع بكل تحدياته، نحن قريبون جدًا من إضافة جناح الترجمة والتعريب، بالإضافة إلى إنشاء موقع على الويب وإطلاق متجر إلكتروني لتوزيع الإصدارات بالترحيل لأي مكان في العالم.
..............
باسم شكندرة نتوجّه بخالص الشكر والتقدير إلى دار الأجنحة للنشر والتوزيع ومؤسسها الأستاذ متوكل زروق على هذا الحوار الثري.
لقد فتحتم لنا نوافذ على تجربة أصيلة تمزج بين الحلم والعمل، وتعيد للكتاب مكانته في فضائنا العربي.
أثريتم مساحتنا بـقصص التأسيس والتحديات والنجاحات، فكان اللقاء تحليقًا معرفيًا في أفق رحب.
تقديرنا لكم على كل جهدٍ تبذلونه في خدمة الكُتّاب والقرّاء وعلى ما أضفتموه للمشهد الثقافي السوداني والعربي.
لكم منا كل الامتنان والدعاء بمزيدٍ من التوفيق في معارضكم القادمة، وفي مقدمتها معرض الرياض الدولي للكتاب الذي سينطلق بتاريخ 2أكتوبر 2025م.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق