الثلاثاء، 6 أكتوبر 2020

سراب

 




أخيرًا عاد أكرم إلى أحضانِ الوطن الحبيب، بعد رحلة علميةٍ طويلة في عاصمةِ الضباب(لندن)، جاء أكرم الذي أفتقدهُ الجميع في ذلك الحي العريق في مدينةِ(الخرطوم)، فقد كان مثالًا للشاب المثالي، يحبهُ الجميع ويسعدون برؤيته كثيرًا، لجمال روحه ودماثة أخلاقه، فهو الذي يبر والديه وجميع كبار الحي، يأخذ بيد رفقتهِ من الشباب إلى المواظبة على الصلواتِ في المسجد والقيام بجميع الأعمال الخيرية، كان وجهة الكبير والصغير؛ لكبر عقله وحكمته، كان فخر أبيه وعائلته جميعا، كل من يعرفه يفتخر به، كانت فرحة عودته ظاهرة في ملامح الحي وساكنيه، ذُبحت الذبائح ووزعت الحلوى والمشروبات ابتهاجًا برجوعه، إستمرت الزيارات من كل من يعرفه، سعد أكرم بهم كثيرًا وقابلهم جميعهم بتلك الإبتسامةِ الوضاءة التي تزين وجهه، بشوش الطلة مريح الملامح، ذو هيبة ووسامة كما عهدوه.

بعد كل تلك الأفراح التي خيمت على منزله عاد الوضع إلى طبيعته، جلس بين أهله الذين إشتاقوه كثيرًا وأخذ يحكي لهم ما حدث طوال فترة غيابه وهم كذلك، أخبره والده بالمشاريع التي كان ينتظره لتحقيقها، إبتسم كعادته تعبيرًا عن الموافقة والجاهزية لما يحب والده ويرضى.

خرج في صباح اليوم التالي يروي شوقه لبلده الأسمر الجميل، فالسنوات التي قضاها في تلك البلدان الغربية لم تزدهُ إلا عشقًا لهذا التراب، أثرت على تفكيرهِ وشخصيته دون المساس بتلك الأخلاق التي يشهد لها الجميع.

بدأ أكرم في وظيفته المرموقة بشركات والده وفي أشهرٍ قليلة أخذت الأرباح والأسهم في إزدياد ليس له نظير بالسنوات الأخيرة، وجد أكرم الدعم من والديه وإخوته وجميع الموظفين بدرجاتهم المختلفة، واصل أكرم عمله وكرسَ جُهده لفائدته الشخصية والإسهام في تطوير البلاد، كل هذا ولم يغفل ولو للحظةٍ عن المساعدات المادية والمعنوية التي يقدمها لكل من يحتاج، مضت الأيام من جميلة إلى أجمل وفي نجاحٍ وازدهار ملحوظ.

أراد والداه تزويجه لتكتمل سعادتهم به، وافقهم أكرم على رأيهم وأخبرهم بمن يعشقها قلبه، تواصلت الأفراح بخطبته وتم تحديد الزواج في نهاية الشهر الجاري، بدأت التجهيزات لزفاف أكرم كأنه أول أفراح البشرية، الجميع يود المشاركة ويد مد العون.

إقترب يوم الزفاف، وفي صباح اليوم الذي يسبق الزفاف بيومين استيقظ الجميع على صوت جلبةٍ أسفل السلم، هرع الجميعُ إلى حيث مصدر الصوت، إنه أكرم يجهش بالبكاء، كان يبكي وكأنه فقد كل شيء في لحظةٍ واحدة، ولقد فقد أكرم كل شيء.

صرخة مدوية تصدعت لها كل جدران الحي، فانطلق الكل لمنزل أكرم، كل الرجال يبكون وجميع النساء يصرخون، فالدم كان من يدي أكرم يقطر، كان دم أبيه الذي ما أحب أحدًا من أبناءه مثل أكرم، فكل السير على لسان أبيه تقول أكرم، وأكرم نفسه الذي ما رأى الحي أحداً أبر منه بأبيه، فكل رجل كان يقول لابنه: ليتك مثل أكرم، صدمةٌ أصابت الكل حتي بدأ بعضهم يهزي قائلًا: هذا ليس أكرم بل هو شيطان، إلتفت أكرم إلى الجميع فقال صارخًا: ابتعدوا عني وإلا قتلتكم جميعاً، وبعد العويل الذي صدح في الحي صوته، هب الرجالُ يمسكون بأكرم، حضرت الشرطة وأخذت أكرم وسط صرخات وتأوهاتٍ الجميع، فتلك الصورة النادرة والتي لن تتكرر قد احترقت في لحظة ضعف وانهيار واحتياج لجرعة(هيروين) التي أخذها والده رافضًا له إستخدامها.



#عزة_عبدالله

#مدونة_شكندرة



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

صوت الناشر يحاور دار اسكرايب للنشر والتوزيع ومديرها العام يوسف حسين

حوار مدونة شكندرة مع مدير دار اسكرايب للنشر والتوزيع، الأستاذ الكاتب الروائي يوسف حسين. أولًا: عن التجربة الروائية والشخصية 1- كيف بدأت رحلت...