الأحد، 30 أغسطس 2020

نبض الريف

 





بزغ الفجر واكتست ربوع ذلك الريف بسرابيل الضياء، و بعد أن كانت الأذان صاغية لألحان النيام تهافتت عليها الأصوات ما بين رجل ينادي حي على الفلاح وديك يصيح وبدأت تتسلسل خيوط النعاس المنسوجة على أعينهم، و ها هي الحيوانات تكسر قيود الحناجر وتحدث ضجيج بمختلف أصواتها وها هم الناس يرسلوا التحايا والتصبيحات لبعضهم البعض أحدهم على هيأة عجوز ينادي(كيف اصبحتو اا عرب) والأخرى امرأة ترد بصوت يتغلبه الحنين(حبااابك اا يابا) . وتبدأ دفاتر الواجبات ترسل إشعارها لعقل كل فرد بكل همة وعزيمة .... أم تضع حزمة من الأعواد على النار لتتوهج أكثر وتوقد عليها شاي الصباح تصارع نيرانها الريح كلما اشتدت لتخمدها فتحويها بثوبها وترحل بيها إلى أقرب حائط يحجب عنها تجاه تيار الرياح والتفتت برؤياها على الأغنام فتعسرت رؤيتها من شدة الغبار المتراكم أمام وجهها الناتج من تعافر الأغنام وإبنها يتوسط هذا العراك ليجلب لها اللبن بعد أن تفقد أغنامه أرضع صغارها وتحسس السقام منها، وعاد يحمل إليها الوعاء ممتلئاً ناصعاً كنواياهم، وعاد الأب يحمل قفته مكتظة بالخضار واللحوم وبينما هم جالسين لتناول كوب الشاي تنعشهم نسمات الصباح الباردة وأجوائه الهادئة وتغطيهم سمائه الخلابة المزدانة بقليل من السحب وقليل من البروق التي تلوح فوقهم تجهر أحيانًا وتتوقف بعض الأحيان وهم جلوساً يتبادلون الحديث تلتفت الأم قائلة للزوج (مل عدوك اتاخرت الليلة في السوق)، فيجيبها:

( لا قيت أحمد ود الحاج فوق الشارع واتناضمنا خشم خشمين) .

الزوجة:(ماك سالتو من أبوهو باقي قالو حاسيلو بي شوية حمى) .

و يرد: ( ما طريتو والله إلا بغشاهو فوق شارعي لامن أمشي الخلا).وبينما هم في غاية الانهماك فاذا بصوت ياتي من خلفهم يداخل حديثم مصدره امرأة عجوز تجلس على سريرها على بعد منهم وهي حبوبتهم: (قولتو منو العيان) . فارتبك الجميع لكي لا يجيبها حتى لا تتخوف عليه لأن هذا المريض الذي ذكروا اسمه يقربها وتألفه إلفة الكبار لبعضهم فتكلمت الزوجة ساعية بكل جهد لحرف سير الحديث حتى لا تتفهمهم عجوزهم: (ااا ولد اللبن دا تقول ما ياهو مالك الليلة حلبتو شوية) . وقبل أن يجيبها الولد كررت الحبوبة تساءلها ( انا ما بناضم فوكن ما تجفلوا حديثكن مني) . فعرفوا حينها ان حبوبتهم ترامى حديثهم السابق على سمعها وما على الأب إلا أن يجيب والدته العجوز بالمصداقية فرد: (الحاج أخوك سمعنا حاسيلو بي شوية حُمى). فتقوت العجوز وانتفضت على كُبرها وحاولت القيام قليلاً لكن لا حيلة للبشر مع الهرم وقالت: (الحاج اخوووي انا) قالتها بصوت لا تتهكمه أن يصدر من هذه العجوز، صوت تمازجت فيه كثرة خوفها عليه وغضبها من اخفاءهم الخبر عليها، فرد ابنها:(ااا يمة مرضو ماهو كبير شوية حُمى ) . قالت لإبنها (وحات الله بتكضبو علي إلا الليلة البقعدني منو قاااااسي). فنهض ابنها منذهلاً من قرارها:(اا يمة باقي إتي ما عندك قدرة للمشي خلاص أنا بعناهو من دربي دا وبجيبلك خبرو إن كان عيان شديد) . لكن يبقى الإصرار على الرأي من ثوابت هرمهم وقالت:(إما بتوديني ياه براي بتقدر و بمشلو ) . فلمس الإبن هنا ذرة من زعل أمه وهو من غير اعتياده أن يحدث لها ذلك فنادى الإبن بقوة ليلحق تراضي والدته: (ياا جنا شد الكارة دي)

النوصل حبوبتك لا عند أبوي الحاج فوق طرف الحلة) . والتفت علي أمه قائلاً:(يمين كان فوق كتفي داا إلا اشيلك اوديك). فهنا تملكها الرضا وزرعت الأمل داخلها بأنها سترى مريضها فاعطرته بمسك رضاها في جملة مفحمة بالتحنان:(عارفاك ااا جناي ااابتقصر ورضيااانة عليك) . أرضاها رغم اكتظاظ ذهنه بالواجبات ورغم أنه جلس يحتسي كوب الشاي على عجل ليلحق زرعه الذي ترك الماء مشروعة فيه، خوفه الأكبر أن تنهمر الماء متزايدة فتطغى على زرعه وتطفي ثماره، أرضاها رغم ذلك لانه يعلم علماً قاطعاً أن كل خطوة دون رضاها سيحطمها الفشل، فأمر إبنه أن يذهب بدله إلى الزرع وقال: (اجر ااجنا على الخلا وقفل الموية زيين كان ما تغرقنا وما تضر جيرانا)، وتوجه يقود كارته بحذر و على متنها والدته يشق بها الأزقة والطرقات الواسعة،  كم طال أمد غيبها من تلك الطرقات! لا تستحضر متى تجولتها أخر مرة  وطأت أقدامها هذا التراب، ربما تفتح الذكريات أرشيفها اليوم وتقلبه صفحة تلو الصفحة، في هذه الرحلة تسترجع أيام قضتها هنا وهناك، وتتحسر على أرجل كانت تحملها، لكن لم يكن بالها في ذلك كان بالها مع مريضها كيف حاله؟ فتراكض الناس نحوها في الطرقات بالتحايا والتوقير سائلين(ااا يمة الليلة شن مرقك إن شاء الله زين ؟) فالناس عندهم يقدسوا الكبار تقديساً. 


#صادقناالدريب

        #مدونة_شكندرة








ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

صوت الناشر يحاور دار اسكرايب للنشر والتوزيع ومديرها العام يوسف حسين

حوار مدونة شكندرة مع مدير دار اسكرايب للنشر والتوزيع، الأستاذ الكاتب الروائي يوسف حسين. أولًا: عن التجربة الروائية والشخصية 1- كيف بدأت رحلت...