الأحد، 30 أغسطس 2020

قطرات الغيث

 

 


 

 حُـزنٌ هُـمُـومٌ وانشِـغـال ‏قلقٌ وخوفٌ يلهيانِ البال

 ‏

 

    أقاوِمُ الأحاسيسَ السوداويةِ متوجهةً صوبَ مهامِي ، أُضطرُّ للخروجِ من منزلنا ، لأسيرُ وأنا غارقةٌ في التفكيرِ وقدْ تسنّمَ الحزنُ مُحياي ، انبترَ حبلُ أفكاري ببعضِ ضجيجٍ من حولي ، وإذا برجلٍ يصرخُ بفتًىٰ صغيرٍ لم يتجاوزِ العاشرة ، توجهتُ نحوهُ فرأيتُهُ هزيلَ الجسد ، شديد سوادُ الجفنين ، أغبرَ الوجهِ ، قسماتُ وجهه تشيرُ إلىٰ أنّه لم ينم ، ممزَق الثياب ، ولكنِ المحيّرُ أنهُ باسمَ الثغر رغمَ ذلك ، تتسللتِ ابتسامتهُ إلىٰ أوصالي فابتسمتُ أنا الأُخرىٰ. ‏ابتدرتُه بالسلام ثمَ أردفتُ قائلةً ما اسمك وكيف حالك ؟ فردّ - والبِشرُ لا يفارقه - : اسمي؟ لا أدري فقد عفا الدهرُ عنه وما عدتُ أذكرُه فلم أُنادَىٰ به منذ مدة ولكنّي أُنعتُ بطفلِ الشوارع ، أما حالي فأنا بخير تناولتُ البارحة بعض الفتاتِ سدًا للرمق وإني لحامدٌ شاكر . احتبستُ دموعي خشيةَ أنْ يظنها بوادرَ شفقةٍ تمسُّ شموخَ نفسه وعزتها فلا يملكُ أغلىٰ من كبريائة ومسحتُ علىٰ رأسه وأنا أردد أن يا ويحي لقد غابتْ كل هذهِ النعم عن عينايَ من كثرةِ الإعتياد ! ‏حسنًا أخبرني أينَ والداك؟ - قلتها و ودتُ لو ابتلعتُها قَبل أنْ تخرجَ فقدْ خدشتُه في جرحٍ قَديم - طأطأ رأسه حزنًا علىٰ ذكراه رأسه ثم رفعه تارةً أُخرىٰ وأردف : لم أرهُما من قبل ترعرعتُ في هذه الشوارع صارتْ أمي وأبي وكل ما أملك . تحتضنني الأرضُ ليلًا بقوةٍ نتجَ عنها بعضُ الكدماتِ علىٰ جسدي ، تُقَبّلُني أشعةُ الشمسِ نهارًا وخلّفتْ بعضَ الحمّىٰ إثرَ ذلك ، يحتويني البردُ في الليالي الشتائية فأُصابُ بأسقامِ الشتاء ، تُرَبِّتُ قطراتُ الغيثِ عليَّ ماحيةً خلفها آلامَ التشرُّد ولكنها حينًا تقسو إذ تهطلُ بغزارةٍ فيُحالُ التربيتُ إلىٰ عتابٍ علّني أتصرفُ جيّدًا في مُقبلِ الأيام . ‏عمّ الصمتُ كِلينا ثم واصل قائلًا : وأنتِ كيفَ حالُك ؟ ‏- أنا ؟ أنا ؟ دعكَ مني ، قد نذرتُ العمرِ يومًا لاصطخابِ الذكريات ، ذكرياتٌ قدْ سلبنَ الابتسامة ، حينَ تخطرُ تقلِّبُ دفترَ الأحزانِ ويعلو البؤسُ الهامة . - ‏يا صغيري ، لمَ صرخَ الرجلُ عليك ؟ = ‏غَفَوتُ قربَ سيارتِهِ بعدَ أن غسلتُها فقد تسربَ إليَّ النعاس بيدِ أنّي لم أَنمِ البارحه بحثًا عن فتاتِ الخبزِ الذي حدثتُكِ عنه ، معللًا أَني سأُجعلُها قذِرَةً متسِخة ، ولكنّي لولا عجزي عن إيجادِ ظلٍ لم أكن لأجلسَ قربها لحظةً واحدة . لا تقلقي ، اعتدتُ ذلِك ! - ‏منذُ متىٰ وأنت تغسل السيارات؟ = منذُ وقتٍ ليسَ بالقليل ، بضعُ سنواتٍ فقط . ‏- أَتكفيكَ النقودُ التّي تجنيها ؟ ‏= ما أكسبهُ يكفي لشراءِ رغيفةً واحدة فقط وأحيانا لا أجدُ عملًا فاكتفي بالفتات . ‏

- ورغمَ هذا مبتسم ؟ ‏

= سمعتُ أحدهم يردد يومًا " أليسَ اللهُ بكافٍ عبده " فاطمأننت ولم تفارقِ البسمةُ شفتايَ مِن وقتِها . ‏_ ‏ ‏رجعتُ دارنا أتفكرُ كلماته متعجبةً من إيمانهِ الفطريّ ، مقارنةً أحزاني البسيطة بجبالِ همومه ، أدركتُ حقًا أنّ من رأى مصيبةَ غيرِه هانتْ عليهِ مصيبتَهُ فإذا بي أهمُّ إلىٰ سجادتي باكيةً مُلحة ، صاغرةً صابرة . ‏ألَا فلنبتهل ولندعِ التذمُّرَ ولنبلل موضعَ سجودنا ونتركَ تبليلَ الوسائدِ فاللهُ كافٍ عبده .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

صوت الناشر يحاور دار اسكرايب للنشر والتوزيع ومديرها العام يوسف حسين

حوار مدونة شكندرة مع مدير دار اسكرايب للنشر والتوزيع، الأستاذ الكاتب الروائي يوسف حسين. أولًا: عن التجربة الروائية والشخصية 1- كيف بدأت رحلت...