الاثنين، 6 يوليو 2020

أريدُ جناحين يا أمي





ضوءٌ مهيب أجفلني، شقّ صفحةَ السماء بينما كنتُ جالسةً بجسدي الصغير الهزيل تحت العريشة ألتقطُ هراهير العنب في سلّة من القش قد أجادت أمي صنعها، 
اشتدّت الرياح وبدأ الرعد يجلجل بهزيمه الأجواء، تدثّرتُ بمعطفي الصوفي وخبأتُ رأسي به قبل أن تمسكَ بكتفي يدُ أمي الحنون وتدفعني لكوخنا الساكن سفح الجبل.
وقفتُ أمام الباب أجترّ بذاكرتي كل ما حصل قبل أن أغادر اليوم لجمع العنب، فجمدتْ قدماي ورفضتْ الدخول، لكنّ صوت أمي قطع عليّ معزوفة أفكاري عندما نادتني للدخول.
امرأةٌ نحيلة بعينين جاحظتين كانت تقطن منزلنا، 
 تشبه إلى حدّ كبير الساحرات الشريرات، وخالة سندريلا كما وصفتهم لي أمي من قبل عندما كانت تروي لي حكايات ما قبل النوم، 
استقبلتني تلك الخالة عند الباب، و قالت بصوتٍ لم يمنع هديره وصخبه سوى رعدٍ أطلق صيحته فجأة وكأنه علم بحاجتي.
 إن سمعتَ صوتها تنسى ملامحها ويصيبُك ضيقٌ مفاجئ يأسر حواسك :
أرى أن سلّتك فارغة إلا من بعض العناقيد أيتها المسخ، لماذا عدتي قبل أن تملئيها؟
من أين سنطعمك؟ حسناً أنت أردت هذا لن تنالي اليوم حصتك من الطعام؟ وستلاقين مني أشد العقوبات.
استنجدتُ بأمي التي كانت بقربي تمسح على رأسي وقد امتلأتْ مقلتاها بالدموع حتى فاضت، لكن شبح ابتسامة قد لاح على محياها.
نظرتُ لها وكانت سحابة عيني قد أفرغت ما فيها وهمّت باستدعاء صديقاتها، وقلتُ لها : أمي..أرجوكِ.
نظرتْ تلك المرأة التي كنت ألقبها بالخالة بحقن ناحيتي، وقالت : لا تناديني بأمي، 
قلت لها: لست أنت يا خالة بل أمي، إنها هنا
رفعتْ سوطاً كانت قد أخفته وراء ظهرها وانهالت عليّ بالضرب، تألمتُ وصرخت بكل ما يملكه جسدي الصغير من قوة ، علمتُ أن المطر كان يعلم بحالي ، كلما صرختُ اشتدّ في هطوله، وكأنه يقول لي: لا تخافي يا صغيرتي لست وحدك.
أمسكتْ ضفائري بيدها التي شنّتْ التجاعيد غارة عليها ورفضتْ أظافرها المقرفة إلا أن تُغرس في وجهي الغض.
بدأت تضرب رأسي بمنضدة خشبية وهي تقول: لستُ أمك، لست والدة أحد، متى سترحلين إليها، متى ستغربين عن وجهي إلى الأبد.
بدأت أفقدُ الوعي تدريجياً، عندما دخل والدي إلى الكوخ، ورأى زوجته قد أشبعتني ضرباً و رأسي قد غرق بالدماء، في الجهة المقابلة كانت والدتي قد فتحت ذراعيها لاستقبالي لأغادر معها إلى مكان أجمل كما أخبرتني.
دخل والدي ونزعني من براثن الخالة، التي كانت تضحك وتصرخ: لقد ماتت، لقد ماتت.
لا أدري ما الذي جرى بعدها، فتحت عيني لأجدني بجوار أمي التي أمسكت بيدي الصغيرة، في مكان أجمل بكثير من سفح الجبل الذي كنا نقطنه، كانت مياه بحرٍ رائع_ كم تمنيت أن أزوره من قبل_ تداعبُ أقدامنا، وفوق رؤوسنا كان أخي الصغير الذي مات هو وأمي_ كما أخبرني والدي_ يوم ولدَته يحلّق بجناحين رائعين.
أمسكتُ بثوب أمي الأبيض، وشددته قائلة: أريد جناحين يا أمي.

#Aisha
#مدونة_شكندرة

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

صوت الناشر يحاور دار اسكرايب للنشر والتوزيع ومديرها العام يوسف حسين

حوار مدونة شكندرة مع مدير دار اسكرايب للنشر والتوزيع، الأستاذ الكاتب الروائي يوسف حسين. أولًا: عن التجربة الروائية والشخصية 1- كيف بدأت رحلت...