الخميس، 11 يونيو 2020

فبشرناها








جففتْ ما طغى على جبينها من العرق بطرف قماش كانت تلتحف به، قالتْ من بين أنفاس مرهقة وصوت متهدج: "وينها؟" ، ابتسمت الممرضة إليها وهي مُقبِلة تحمل بين يديها أغلى ما ملكه إنسان قط بعد اليقين، وقبل أن تصل إليها دخل هو ملهفاً مشتاقاً عيناه تحكي قصة كل حب كُتِبَت منذ الأزل.
اختلطتْ دمعاته بالضحك عندما نال شرف أول لمسة دونها، وردتْ هي على ضحكاته بخير منها رغم وهن قواها، استند بركبتيه على الأرض بينما يضع صغيرتهما في حجرها، أمسك يديهما معاً، اقترب من أذنها اليمنى، وبدأ :
- "الله أكبر، الله أكبر" 
من كل ذلك اليأس والخذلان الذي تسلل لقلبيهما بعد سنين من الانتظار، الله أكبر من العجز والمرض والحرمان، الله أكبر من أن تنحصر حكمته بعلم واحد منّا. 
- "لا إله إلا الله، لا إله إلا الله" 
تذكر كل اللحظات التي بكتْ فيها على صدره تندبُ حظها بينما يقول: "يا بنت الناس قولي لا إله إلا الله" فتمسح دمعاتها وهي تستغفر وتقول كما قال، ذاتُ لا إله إلا الله التي قالتها وهي منكسرة يفيض قلبها بالأمنيات تقولها اليوم وأنفاس رضيعتها تختلط مع أنفاسها. 
- "حي على الصلاة، حي على الصلاة" 
فمرت عليه كل ليالي القيام التي صاحبها الرجاء في جوف الدعاء، عندما كان يمضي الساعات الطوال وهو يثبّتُ قلبه ويربط على إيمانها بكلماته، وفي النهاية تسأله بكل براءة: "يعني ربنا ما هينسانا صح؟" ، فيضرب على رأسه بيده ويرفع عينيه إلى السماء: " اللهم ثبتني على العقل والدين وصبرني على ذات الوتين"، فتضحك ويضحك والكون من ورائهما يلهج بالحمد علي كل حال. 
- "حي على الفلاح، حي على الفلاح" 
بعد ذلك العمر قد انقضى ما بين مستوصف ومستشفى، ما بين دواء ودعاء، ما بين بلاد وبلاد، وما بين آلام تتجد كل صباح وقلوب ترتل "إن كان هذا ما تريد فأنا لغيره ما أريد". 
- "الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله" 
عيناه تعانق عيناها، والدمع قد اختلج أخيراً لفرح لا لانكسار، خرجت من فيه وفاها ابتهالاً واحداً لا يعلو فوقه ابتهال، حتى ناغّت الصغيرة و استهلّت فكانت لصبرهما خير الختام. 
- "إننا لا نبكي"
قالها ذات مرة بينما كان يحاول استفزازها، واليوم ها هو يبكي أمامها لا تسقط الدمعة من على خده إلا وتتبعها الأخرى، ابتسمتْ بينما تنقل بصرها من وجه الصغيرة إلى وجهه، لا يهمها في ذلك من تُشبِه الطفلة بقدر اهتمامها أنها بينهما الآن. 
طالعها بعطف، وعلى الوجه بسمةٌ وامتنان لطول الثبات، نزلتْ الأجفان لتغطي العيون وقد تردد في نفْس كل منها صوتها لما قالت: "هأسميها وتين عشان وقتها أكون ذات الوتينين"، ابتسمت وابتسم وبصوت واحد قالا:
- "بس هأسميها يقين" 
فصارت هي ذات الوتين واليقين، وملك هو بقربهما كل شيء. 

#Aseel_Alsayeed
#مدونة_شكندرة

هناك 4 تعليقات:

  1. الله الله عليك يا اسل العسل

    ردحذف
  2. ماشاء الله دايماً متقدمه وناجحه باذن الله

    ردحذف
  3. روعة والله يا دكتوره ولي قدام بإذن الله... ما شاء الله لا قوة إلا بالله

    ردحذف
  4. روعة والله يا دكتوره ولي قدام بإذن الله... ما شاء الله لا قوة إلا بالله

    ردحذف

صوت الناشر يحاور دار اسكرايب للنشر والتوزيع ومديرها العام يوسف حسين

حوار مدونة شكندرة مع مدير دار اسكرايب للنشر والتوزيع، الأستاذ الكاتب الروائي يوسف حسين. أولًا: عن التجربة الروائية والشخصية 1- كيف بدأت رحلت...