الخميس، 11 يونيو 2020

بأيِ ذنب زُوِجَتْ!






صبيحةُ يومِ الثلاثاءِ الخامس عشر من مارِس في عامِ ألفٍ وتسعمئةٍ وتسعةُ وتسعون، كان موعِدُ قتلِ البراءَةِ، موعد قِرانِ زينوبة صاحِبةِ الثلاثَ عشرَ ربيعًا.

فيِ غرفةٍ بشعةٍ كبشاعةِ حظِّ زينوبة كانت هِيَ وأُمها بِالدَّاخِل تُجهِزها للزِفاف، أمسكت بِمشطٍ صغير، كصغرِ عالمها الذي رماها في هذةِ الزِّيجةِ وحكمَ على طفولتِها بالإنتهاءِ، ضئيلٌ كجدائلها، أخذت تُمشِّطُ شعرها تبدأُ مِن أعلى رأسها حيثُ الأفكارِ وتنزل بِهِ حتى الأطراف، تُمسِكُ بالكُحلِ الأسودِ، تكحِّلُ عيناها الباكيتان، حتى سوادُ الكُحلِ لم يخفي الحُزنَ ولا الخوفَ الذي يعتريها، بقلبٍ بارِدمتجاهِلةً آهاتِ زينوبة أمسكت بِقطعةِ قطنيةِ مسحت دموعَ العروسِ وما أختربَ مِنَ الكُحلِ وأعادةِ الكرَّة مجددًا، ثمَّ بقلمِ أحمرِ الشِّفاةِ لوَّنت فمها البريءُ الذي مازال يشتهي الحلوى والسُّكَّر، ثمَّ كبَّلت يداها بأساوِرَ أثقل مِنها، أتى بها العريسُ الذي يَكبُرُها الضِّعفُ، ثمَّ ارتدت ثيابَ العُرسِ، أصبحت إمراءةً في الثَّالِثِ عشرَ مِن عمرِها، همَّت والدتها بِالخُرُوج وأدارت ظهرها، أمسكت زنوبة بيديها الرَّاجِفتين طرفَ ثوبِ والِدتها، في أخِرِ محاولةِ يائِسةُ تكْسِبُ بِها عطفَها وتلين قلبها، توسلت إليها بأرجوكِ ثمَّ بكت نجحت بإزالةِ القناعِ عن والِدتِها التي كانت ترتديهِ قناعُ القوةِ واللا مبالاةِ الزائِف، ناحت والِدتها مفطورةُ القلبِ لا حيلةَ لها ثمَّ قالت: لا ذنبَ لنا سوى أننا وُلِدنا ها هنا، أنا يا حُلوتي في الشَّهرِ القادِم سأُكمِلُ السَّادِسةِ والعشرون وابنتي اليومَ ستتزوج، من هنَّ في عُمريَ الآن في بِقاعِ الأرضِ المختلفةِ يتمتَّعن بِعيشٍ رغيد، ، منهنَّ من تخططُ لِحفلِ زفافِها القادِم، وأُخراياتٍ بنتظارِ مولدهنَّ الأول،
أُمي مثلي أيضًا حفيدتها ستتزوج وهيَ لم تُكمِل الأربعونَ عامَا، هذا كانَ قدرنا، لكِّنني أدعوا اللهَ قيامًا وقعودًا أن لا ينتهي بِكِ المطافُ مثلنا، أن يكون زَوجُكِ يخافُ اللهَ فيك، يأخذكِ بعيدًا عن قفصِ التزاوجِ هذا، وأن تُكمِلِي طفولتِكِ التي حُرِمتِ منها هنا، ثمَّ يكونُ لكِ مِعوانًا على إكمالِ تعليمِك، فتصبِحين رائدةً في مجالِكِ، تعولينَ معهُ اسرتِك فلا تحتاجَانِ لتزوِيجِ فلذاتِ أكبادِكُم.
طبعت في جبينِها قبلةً هدأت ضجيجَ أفكارها 
دارَتِ الأيامُ واستجابَ اللهُ دعاءَ الوالِدةِ وجبر خاطِرها، 
بعدَ مرورِ واحدٌ وعشرون من زواجها ها هيَ زنوبة في إحدى الدُّولِ العربيةِ بعدَ أن أكملت تعليمها، وحولها بناتها الخمس اللواتِ سيقررن متى يتزوجنَ ومتى يرفضن.

#هبة_النور
#مدونة_شكندرة

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

صوت الناشر يحاور دار اسكرايب للنشر والتوزيع ومديرها العام يوسف حسين

حوار مدونة شكندرة مع مدير دار اسكرايب للنشر والتوزيع، الأستاذ الكاتب الروائي يوسف حسين. أولًا: عن التجربة الروائية والشخصية 1- كيف بدأت رحلت...