الخميس، 25 يونيو 2020

حلم ليالي الحظر




من مِنّا كان يظنّ أن ما يحتلّ كل شبر مِن فؤاده هو مسجد وصوتُ أذان؟، وأن ذات الجموع المستثقلة لخطواتها تندفع اليوم ركضاً تبغي ريّ ظمأ الاشتياق؟، من كان يظنّ أنّا يوماً سنسمع الأذان ونبكي ثم نسمعه من جديد ونبكي ثم هكذا حتى المئة ويظل وقعه علينا كما المرة الأولى؟، أو أن تلك الخطبة التي كانت تبدو بطول الأفق قد غدت الآن مطلباً ملحاً حتى نرتب شتاتنا. في عهد ليس ببعيد كان الاستيقاظ للفجر مسألة عزيمة وإصرار لسنا بمقامها أو مقوماتها، الظهر ضربة شمس والعصر قيلولة ، أما المغرب والعشاء فلا ندري أصلاً بدخولها إلا عند منتصف الليل حينما يغالبنا النعاس، ولكن اليوم باتت كلها في نظرنا ضروريات لا نود التفريط في إحداها ولو للحظة. عند أول لقاء لي بالمسجد بعد كورونا خرجتُ متعجلاً مرتبكاً ومبكِراً كغير العادة، توقعت أن تعترضني الطريقَ الكثير من "السلام عليكم" و "كيف الحال"، وكغير العادة مُجدداً كان كل شئ غريباً ساكناً، تلفتُّ حولي سريعاً أبحث عن أثر أي بشر، لأجد حينها كل العيون معلقة على الأهلة فوق المآذن بينما تمضي الأجساد بقوة لا يوقفها شيء، فاليوم لا سلام إلا ما غشاها ولا شوق إلا لبيوت الله. لا أذكر إن كنّا نصلي تحية المسجد قبل كورونا كتحية فعلاً أم كفعل ما تفرضه عليك نظرات الاستنكار في حال غفلت عنه، ولكن ما أنا متأكد جداً منه الآن أن في ركعتيها اختزن كل معنى للشوق والفقد والحنين، وكل تفصيل كنا نتحرق إليه صبابةً. هكذا ظلّ كل شيء كان آمناً حتى ارتفع الأذان، حينها انقلبتِ الموازين! ، ارتكبتِ القلوب وتصادمت التمتمات بالدموع، إنه حلم كل ليالي الحظر التي شربنا مرّ قسوتها الآن يتحقق، الجميع شغوف مضطرب يجلس ويقوم أحد عشرة مرة في الثانية حتى أقيمت الصلاة. إلهي كم كان وقع "الله أكبر" على قلوبنا كبيراً شديداً، ومن بعده آيات الفاتحة تتسرب إلى النار في جوفنا وقد أوقدها البعد، ثمّ "آمين" جاءت فارتجّت الأفئدة والجدران والمجرة أجمع إثرها، حتى طِوال السور التي لطالما حسبناها تأكل زمننا وثبات أقدامنا خلف الإمام بدتِ الآن كترويدة تعيد كل الكون برفق للسكينة والأمان، في القيام والركوع والسجود وجدتُ كل ما كان قد سُرق بالوحدة في الأيام الخوالي، وبكورونا عرفتُ أن المسجد هو البقعة التي لن تخشى في أحضانها إلا فراقها، يوم فُتحتِ المساجد أبوابها عادت الروح مُجدداً وعاد كل شيء للحياة. 

#Aseel_Alsayeed
#مدونة_شكندرة

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

صوت الناشر يحاور دار اسكرايب للنشر والتوزيع ومديرها العام يوسف حسين

حوار مدونة شكندرة مع مدير دار اسكرايب للنشر والتوزيع، الأستاذ الكاتب الروائي يوسف حسين. أولًا: عن التجربة الروائية والشخصية 1- كيف بدأت رحلت...