الخميس، 11 يونيو 2020

لو حكت النقوش




إنْ كنتُ سأكتب عن القدس فلن أكتب عن الحنين، الفقد أو الاشتياق، بل عن الصمود والثبات، عن حضارة وأراضٍ بعمر خمسة آلاف من السنين، عن البنايات العتيقة ذات الشروخ العابقة بالانتصار، عن شجيرات الزيتون الوليدة رغم أنف الحصار، عن فوح الريحان والزهر ألواناً بطعم لذه العودة، وعن القِباب المتوالية عبر العصور تحكي للحواجز كيف أنها يوماً كانت بعد أن لم تكون. سأكتب عن ذهبية مثمّنة هي محور النصرة منذ ابتدأت الحروب، كانت تقف في زمان قديم وحيدة مهجورة وقد ذيع في أنحاء البسيطة أنها فتنة وغواية، فانزاح الكل عنها حتى قدِم المدد. العصافير الملونة الصغيرة، والنقوش المستديرة، نزلت من السماء باختلاف ألوانها وقد اكتست كلها بفوح الزرقة، فأنجبت من الحمرة أُرجواناً، ومن لون المقاومة أنجبتِ اسم القدس. طافت العصافير كل البقاع، اختزلت على جناحها جموع أهل الأرض من البداية للنهاية، الروائح والمذاقات اللذيذة، صوت الشوارع والنضال، صمت الدهور على الكهوف، وكل ما قد وجد يوماََ. جاءت تطير من الجنوب شاكيةً الغربة وضيق الأرض بها على رحابتها، يؤانس كبيرها صغيرها ويسلي صغيرها من أرهقه العمر، وحين قرر أحدها أن يسأل "ما معنى الوطن؟" لمعت من الشمال الذهبية. وكالمنقاد ولهاً سارت العصافير موكباً واحداً إليها، يقاوم أحدها مسرعاً ليصل أولاً، فتوقفه الدهشة وسحر الانجذاب. يداً على يدً أو جناحاً على جناحٍ؛ تشابكت أقدارها معاً حد لا فكاك، حاوطوها بكل ما قد حملوه في صدورهم وعلى جنباتهم، استحت هي فاستدارت، واُختزن الكون كلّه في ثمانية زرقاء عتيقة هي السحر الحقّ والحلال منذ ذلك اليوم.  

#Aseel_Alsayeed
#مدونة_شكندرة

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

صوت الناشر يحاور دار اسكرايب للنشر والتوزيع ومديرها العام يوسف حسين

حوار مدونة شكندرة مع مدير دار اسكرايب للنشر والتوزيع، الأستاذ الكاتب الروائي يوسف حسين. أولًا: عن التجربة الروائية والشخصية 1- كيف بدأت رحلت...