شكندرة تحاور الكاتبة الروائية والقاصة روزا أيزاك أجيبا
المحور الأول: البدايات والكتابة
1. متى بدأت علاقتك الأولى بالكتابة، وهل كانت الرواية خيارك الأول أم أن القصة القصيرة والمقال الصحفي سبقت الرواية؟
شكرًا مدونة شكندرة.
أعتقد أن العلاقة بدأت منذ أن تعلمت القراءة بالمدرسة الابتدائية، وأنا طفلة، كان لي حب استطلاع في اكتشاف المحيط حولي، ورغبة لمعرفة الأشياء، الناس، والتفاصيل الصغيرة التي لا تهم الآخرين. كنت أتعلم الأشياء بسرعة، أعشق الأوراق والأقلام، وكنت أعتقد أن أي وريقة ملقاة على الأرض هي ملكي ولي حق أن أرفعها وأقرأ ما بداخلها. كنت لا أترك مجلة أو جريدة أو كتابًا دون أن أتصفح ما بين سطورها، كان لي العطش الدائم للقراءة، على الرغم من أنني ترعرعت في مدينة ليست بها وقتها سوى مكتبة واحدة لشراء بعض الصحف والمجلات.
صراحةً كنت لا أعرف ما الذي يشعل بداخلي رغبة التجول بين الأوراق، وفي منزلي لا أملك سوى كتاب المطالعة العربية! ذلك الفضول والرغبة العارمة في القراءة جعلا مني أتقن فن التواصل والتعبير عن نفسي عبر الكتابة. كنت أقرأ وأدوّن ما يثير انتباهي، أكتب ما رأيت، وأكتب أيضًا ما أشعره وأحسّه في دواخل نفسي. كانت رغبتي في تدوين ما أراه تنمو وتزداد إلى أن توصلت إلى مرحلة أنني أشتري مفكرات أدوّن فيها خواطر، قصصًا حقيقية وخيالية.
بدأت أكبر، وشغفي في اكتشاف جمال الأشياء والطبيعة حولي يكبر، إلى أن أصبح صوت العصفور، والريح التي تحرك أوراق الشجر، والنسيم العليل في الصباح الباكر، وخرير المياه بعد نزول المطر، وصوت المطر والندى في الصبح، يبعث في نفسي السعادة ويجعلني أكتب لأوصف.
توصلت الرغبة أقصى درجاتها عندما غادرت أرض الوطن واخترت العيش في الغربة، فكانت أول مدوناتي التي أتذكر عنوانها جيدًا هي "سنيني في الغربة"، ولكن سرعان ما تخليت عن مواصلة تلك المدونة.
بعد سنوات من الهدوء شاركت على صفحتي على منصة الفيسبوك أول تجاربي الأدبية عام ٢٠١٤، وهي كانت مذكرة أدبية بعنوان "جوبا رائعة" تحكي عن رحلتي لتلك المدينة بعد سنين طويلة. حظيت بقبول وإعجاب كبير، وتلتها روايات كانت مكتوبة بالعامية السودانية، مثل رواية بعنوان "الصديقة القنبلة"، وكنت أعني بالعنوان وصف جمال لفتاة إذا حلت بأي مكان يتفجر جمالها كالقنبلة ويعجب بها الصغير والكبير، والشيب والشاب، ثم "رواية ثورة أنثى" وأعني بها امرأة ثارت غضبًا على زوجها بعد أن ضحت في سبيل حياتهما معًا، والكثير من الروايات والقصص التي كنت أشاركها مع متابعيني.
لي شغف شديد بالسرد، عندما أمسك بالقلم لا أريد أن أضعه أرضًا. كنت في التعبير في المدرسة أحصل غالبًا على "جيد جدًا" إن لم يكن "ممتاز". أتذكر في أيام الامتحانات بالجامعة أن إحدى صديقاتي قالت متعجبة:
"روز، لقد كنا نذاكر معًا، الكلام الكثير ده بتجيبيه من وين؟"
وأخرى قالت: "روز، لقد سمعتك في حجرة الامتحانات تتحدثين عندما تكتبين!"
كل هذه الملاحظات ناتجة من حبي للكتابة والحكي حتى على المستوى الأكاديمي، فأنا لا أملّ السرد. فكتابة القصص والمقالات الصحفية كانت في مقدمة ظهوري الأدبي، ولكن لحبي العميق للسرد الطويل، الحكي، والتواصل غير المشروط في التعبير عما يجيش في خيالي ومشاعري، جعل من الرواية أول إصداراتي قبل القصة القصيرة.
2. ما الذي يمنحك الدافع للاستمرار في الكتابة رغم مشاغل الحياة وضغوطها؟
الدافع هو أن نفسي تشرق في ذلك التواصل الفريد الذي لا يشبه غيره في الوصف. الكتابة سرٌّ من أسرار زاويتي الخاصة التي أجد فيها نفسي أتواصل مع البشر، معبّرةً عن نفسي وأفكاري دون التحدث المباشر، وأن تتجول في عقول الناس وتشاركهم أحاسيسك وأفكارك دون التحدث معهم لفظيًا، تلك هي المتعة الحقيقية في عالم التواصل البشري.
فلا مشاغل الحياة وضغوطها تطفئ شعلة الكتابة بداخلي، ولا الموت يستطيع التهام كتبي بعد رحيلي، وذلك لأن الكتّاب لا يموتون.
3. كيف تجدين التوازن بين عملك الصحفي وانشغالك بالقضايا الإنسانية وبين مشروعك الأدبي؟
سرّ التوازن يكمن في أنني أفصل بين تلك الأعمال وفقًا لجدول أعمالي، أحب زمني وأحترمه للغاية. ولكن الحقيقة هي أنني لست بصحفية أستغرق وقتًا طويلًا في تحضيرات الكتابات الصحفية، فقط أشارك بمقالات من وقت إلى آخر، بعد أن تمت دعوتي من قبل صحيفة الموقف بجوبا عاصمتي.
فأنا متعاونة فقط مع تلك الصحيفة وقبلت الدعوة لأوصل أفكاري عبرها لقارئ الصحف في دولتي الحبيبة، وفقط أكتب عندما أرى أن هناك موضوعًا أو قضية يتطلب رأيي الشخصي.
والقضايا الإنسانية والاجتماعية هي أكثر ما يثير تركيزي ويجعلني أمسك بقلمي لأكتب في الصحيفة، وبصريح العبارة لستُ مواظبة على الصحيفة.
أما العمل الأدبي فهو الأكثر حظًا بوقتي وجهدي، لي من الوقت ما يكفي لأن أرسم حروفي وأبدع، أصنع الوقت لأكتب، أراجع، أو أبدأ مشروع رواية جديدة أو قصة قصيرة. العمل الأدبي هو مساحتي الخاصة التي أستجمع فيها نفسي دون تدخل من أحد.
المحور الثاني: المرأة والطفل واللجوء
4. بحكم عملك بقضايا اللجوء، كيف انعكس هذا الجانب على نصوصك الأدبية؟
العمل مع اللاجئين عمل إنساني بحت، لأن اللاجئ فرد اضطر إلى مغادرة وطنه لأسباب قد تكون اجتماعية، سياسية، أو حتى عرقية وجنسية. فهو شخص يبحث عن الحرية، الحماية، والأمان الذي لم يجده في بلاده، شخص محتاج للتواصل.
التواصل المباشر معهم والانغماس في قضاياهم يثقل القلب ويشعرك بالمسؤولية تجاههم. القلق الدائم عليهم والتفكير في قضاياهم يجعل التأثير مباشرًا على شخصيتي، سلوكي، وطريقة تفكيري. وككاتبة، قد انعكس هذا الاحتكاك والتأثير على نصوصي الأدبية فكريًا، نفسيًا، وخياليًا.
في كثير من كتاباتي أعبّر عن مشاعري بعمق عن اللاجئ وقضية اللجوء. لم أنشر بعد أعمالًا أدبية تُظهر هذا الجانب، ولكن هناك أعمالًا على قيد العمل، وستشرق بنورها في المستقبل القريب.
5. ما الذي تمنحين إياه لصوت المرأة والطفل في كتاباتك؟
المرأة من أول وأهم اهتماماتي، ولي عمود بعنوان "حديث امرأة" بجريدة الموقف أنشر تحته كل ما يحرك قلبي ويشغل عقلي عن قضايا المرأة.
المرأة هي أنا، وقضية المرأة هي قضيتي، وتلك القضية تهمني قبل أن تهم غيري. عندما أخاطب قضايا المرأة فأنا أتحدث عن نفسي وقضيتي، أقوم بدور التوعية، فأنا أبحث عن أرضية خصبة تنمو فيها صوت المرأة بصورة أكثر ثباتًا وقوة.
المرأة تعاني حتى في تلك المجتمعات التي نعتقد أنها تحترم القانون وحقوق الإنسان، المرأة تُقهر، وتُداس كرامتها، وتُؤخَّر بفعل مجتمعاتها، وهذا ما أرفضه بقلمي. المرأة إنسان، والإنسان كرامة، والكرامة حق.
أكرر: أنا المرأة وأنا الأم، أنا المربية الأولى للأجيال، وأدعو إلى مسؤولية الإمساك بيد الطفل والدفع به نحو مستقبل مشرق. التربية السليمة، الرعاية الجيدة، ومخاطبة قضاياه الأساسية نحو العيش السليم، هو المحتوى في كتاباتي.
6. هل تعتبرين الأدب وسيلة للتغيير الاجتماعي أم مجرد مرآة تعكس الواقع؟
الأدب في الأساس هو نقل تجارب، أفكار واقعية وخيالية نابعة من صميم المجتمع، ومصدر تلك الأفكار هو أفراد أرادوا أن يشاركوا تلك التجارب، التاريخ، والقصص مع الآخرين لغرض التكييف والتأثير، والتأثير علامة في جذور التغيير.
فكم من أعمال أدبية غيّرت من نظرتنا للحياة، وكم من كتب قرأناها وهي تحمل بين طياتها أجوبة لأسئلة كانت عالقة في أذهاننا.
لنتفق أن الحياة لغز يصعب فهمه بصورة متكاملة دون تفتيته إلى جزئيات، وبعض ألغاز الحياة لا يفكّها سوى كتاب يجعلك تستحضر ذهنك ويفتح بصرك نحو آفاق جديدة في الحياة. فالأدب حصيلة تجارب اجتماعية متنوعة ووسيلة ناجحة في التغيير الاجتماعي.
المحور الثالث: النشر والرعاية
7. كيف كان اختيارك لدار النشر التي أصدرت روايتك الأولى؟
في الحقيقة، لم يخطر ببالي يومًا ما أن يصدر لي كتاب، فأنا فقط كنت أعلم أنني أحب الكتابة، لذلك كنت جاهلة عن دور النشر وما تقدمه من خدمات نحو الكُتّاب والكتب. فعندما تأكدت أن الوقت حان لإصدار أول رواية، بحثت عن معلومات عن دور النشر بمساعدة بعض الأصدقاء الذين أرشدوني إلى أهمية طباعة أعمالي الأدبية التي أشاركها معهم، وعلى رأسهم: الدكتور أتر يوت، الأستاذة الصديقة أثياك أبراهام، الأستاذ سبت ماقوك، والكاتب والمدقق اللغوي الأستاذ آدم إبراهيم، والذين لا تسع مساحتي الآن لذكر أسمائهم جميعًا، لهم الشكر العميق.
تحدثت بعدها مع بعض دور نشر بجوبا، وكان أول حديثي مع مدير دار رفيقي للطباعة والنشر، الراحل المقيم الأستاذ دينق قوج، الذي وضّح لي كيفية العمل وأرسل لي معلومات داره، ولكن شاءت الأقدار أن أصمت طويلًا لأسباب شخصية، دون أن أتخذ أي خطوة للنشر.
فحين فكرت بطريقة مجدية في النشر، رأيت دار نشر جديدة في بلادي صاعدة كالصاروخ، وكان صيتها يذيع عاليًا في فضاء الأعمال الأدبية، وهي دار ويلوز هاوس للطباعة والنشر. تواصلت مع مديرة الدار الأستاذة قاتا يمبا وتحدثت معها عن رغبتي في النشر معهم، ومن هنا تم ميلاد روايتي الأولى، ومن ثم الرواية الثانية.
كنت أبحث عن مصححين لغويين، وعن طريق دار ويلوز هاوس تعرفت على مدير دار آخر وهو الأستاذ زياد مبارك، مدير منشورات عندليب، لتصبح منشورات عندليب محطتي الثانية في علاقتي مع دور النشر. ومديرها هو المحرر لكتابي "ملخص في ثقافة قبيلة أنيواك بالسودان الجنوبي".
وأتذكر حينها أنني كنت أتواصل مع الأستاذ بركة ساكن أناقش معه بعض المواضيع الأدبية، ولقد شجعني الأستاذ بركة على نشر الكتاب مع منشورات عندليب، لتصبح الناشر لكتابي الثالث، ولي أيضًا رواية برعايتهم ستُنشر حين يحين وقت نشرها.
فتجربتي الشخصية مع دور النشر تجربة موفقة بحكم تواصلي المباشر معهم، وأتمنى أن تدوم تجربة ناجحة ومثمرة لكل منا، الكاتب والناشر.
8. ما التحديات التي واجهتك في الوصول إلى القارئ العربي من جنوب السودان؟
هذا سؤال مهم جدًا، وبكل شفافية التحديات عدة وليست تحدي قارئ العربية فحسب، ولكن سأركز في لبّ السؤال فقط.
دولة جنوب السودان لغتها الرسمية هي الإنجليزية، لغة التعليم واللغة المستخدمة في كل المؤسسات هي الإنجليزية، فليس هناك قارئ العربية سوى أولئك الذين كانوا قد تعلموا بالعربية قبل الانفصال.
فالجيل الجديد من أبناء بلادي يتعلمون بالإنجليزية سواء كان داخل البلاد أو خارجها، وحتى التحدث بالعربية شبه معدوم بين الجيل الجديد، فليس هناك قارئ العربية سوى الأجيال السابقة.
ولن تكون رواياتي في أيدي هؤلاء الأجيال إلا إذا ترجمت كل أعمالي إلى الإنجليزية، وهذا الأمر جعلني أفكر في المستقبل في كتابة أعمالي الأدبية بكلتا اللغتين الإنجليزية والعربية، ووفقًا لنوعية العمل، حتى يتمكن الأجيال الجديدة من الحصول على محتوياتي الأدبية والتعرف عليها.
لن أتخلى عن الكتابة بالعربية لأنها لغة انطلاقي التعليمية والأدبية، ولها الفضل فيما أنا عليه اليوم، فقط سأجعل الإنجليزية لغة من لغات أعمالي الأدبية، حتى يتمكن أطفالي أيضًا من قراءة ما تكتبه أمهم.
ابنتي البكر محتفظة بكل رواياتي وكتاب ثقافة القبيلة، وقالت:
"سأتعلم العربية فقط لأتمكن من قراءة هذه الكتب كما هي مكتوبة، لا أريد قراءة الكتب المترجمة، أريدها أصلية."
9. هل تؤمنين بأهمية وجود رعاية مؤسساتية للكاتب، أم أن الكاتب يصنع طريقه بجهده الخاص؟
لكل كاتب استراتيجيته الخاصة التي تساعده في الوصول إلى مبتغاه، وأنا أعتقد أن الكتابة إلهام، والشخص المُلهم بالكتابة فرد متمكن ذهنيًا، له المقدرة العالية في تجسيد أفكاره، وتحفيز الآخرين وتشكيل أفكارهم عبر شخصيته وإنجازاته.
فالكاتب يعرف بطريقة كافية كيف يصنع طريقه ببذل جهده الخاص دون التكلّف والرعاية من طرف أو مؤسسة أخرى. فأنا من صنعت نفسي بجهدي ورغبتي الأكيدة في التغيير المجتمعي عبر القلم، ولكن هذا لا يعني أنني لن أستعين بمؤسسة اجتماعية أدبية مختصة ترشدني نحو أن أكون كاتبة أفضل مما أنا عليه حالًا، إن وجدت طبعًا.
المحور الرابع: الاغتراب والحنين
10. كيف تصفين تجربة الاغتراب بالنسبة لك، وما أثرها على مخيلتك الأدبية؟
الاغتراب تجربة صعبة على نفسية المرء. قد يعتقد المرء أن مغادرة الوطن أمر طبيعي طالما أن الوطن لم يوفر لك ما يمكن أن يبقيك فيه، ولكن لمجرّد أن تضع رجليك في بلاد الغربة، يقتحمك من المشاعر السلبية أكثر مما يقتحمك من الإيجابية.
الاغتراب قد يكون تأثيره إيجابيًا وسلبيًا، لأنك تنصدم بواقع غير الواقع الذي رسمته لنفسك عن الغربة. كل شيء في الغربة لا يُمثل طبيعتك، عاداتك، وثقافتك! وهذا الأمر قد يدفعك إلى شعور بالقلق واضطرابات نفسية بالغة.
فتأثير الاغتراب قد يدفعك إلى إنتاج أعمال أدبية حزينة جدًا أو رائعة جدًا، وفي الآخر، الإبداع الأدبي يكمن في الأعمال الأدبية بكل أنواعها. قد يكتب المرء عن الحرب والتشرد، الموت والحزن، الاكتئاب والشجون المدفونة بين ضلوعه، ويبدع فيها أكثر من كتاباته عن الحب ورومانسية المحبين. الإبداع الأدبي أمر مختلف.
11. هل الحنين إلى الوطن يثقل النص أم يمنحه عمقًا وجمالًا؟
كم يشرفني هذا السؤال! برغم أن الإجابة عليه ستكون صعبة لارتباطه بالوطن، إلا أن هناك دائمًا حديثًا عن الوطن، حب الوطن ومكانة الوطن.
الوطن هو الحب الذي يشعل وجداني، والحنين إليه يضيق الصدر. الحنين كتلة مشاعر من الشوق، الشجون، الألم، والتفكير المستمر في الوطن، والأهل، وكل الذكريات.
الحنين يثقل القلب، والقلب إذا أُثقل يُنتج نصوصًا عميقة جميلة كجمال الأوطان وشعوبها. وطني يسكنني حيثما ذهبت ومكثت، وفي قلب نصوصي تجد وطني.
المحور الخامس: المشاريع الكتابية
13. ما الثيمة المشتركة التي تظلين وفية لها في روايتك المنشورة؟
الإنسانية والضمير؛ أي إذا حدث وأن المرء تجرد من إنسانيته لأسباب ما، وتصرف تصرفًا لا يليق بأخلاق الإنسان، عليه أن يعود إلى إنسانيته. ستجد في رواياتي أن هناك دائمًا مساحة للرحمة، الغفران، والعفو، حتى يصبح الكون مكانًا أفضل للجميع، وتصير الحياة بصورة أفضل عما هي عليه الآن.
14. حدثينا عن كتابك الذي يتناول قبيلتك: ما الذي دفعك لكتابته؟
الحديث عن كتابي الذي يحمل في طياته ثقافة قبيلتي أنيواك يشعرني بالفخر ويعزز انتمائي لها.
كانت هناك جدة جميلة، عمياء تحب حكي أساطير، قصص، عادات وتقاليد جماعة أنيواك، لحفيدتها النبية التي كانت تدوّن كل كلمة تُقال على مسامعها في ذاكرتها التي ما زالت تنمو.
ظلت الجدة تتحدث ولا تعلم أن ما تحكيه لحفيدتها سيكون عملًا أدبيًا في المستقبل. جدتي (أودول) والدة والدي هي الدافع الأول في تلك التجربة الفريدة.
أحببت قبيلتي، وخُلق في نفسي عشقًا وارتباطًا عميقًا ومؤثرًا بيني وبين قبيلتي، فأنا أحب قبيلتي، ومنذ الصغر أشعر أنني مدينة لها إن لم أوفِّ بواجبي تجاهها.
جمال ثقافتها المتميزة دفعني لحمل قلمي وأدوّن كل حلقة ثقافية بها، مثل: اللغة، أنواع الأطعمة، الغناء والرقص، الاعتقاد في البركة واللعنة، المعتقدات الدينية، الزواج وتسمية الأبناء، تتويج الملك، السلام والحرب، إلى أن اكتملت حلقات الكتاب.
فخورة أنني استطعت ولو بقدر قليل من المسؤولية أن أشارك العالم ثقافتي وثقافة قبيلتي وهويتها.
15. ما الرسالة الأساسية التي سعيتِ لإيصالها من خلال هذا الكتاب؟
الرسالة هي أن لكل قبيلة هويتها الثقافية التي تمتاز بها بين القبائل والشعوب، وقبيلة أنيواك مجتمع يتميز بتراث ثقافي جميل أردت أن أعرّف العالم به.
16. ما الذي يشغلك في مشروع ترجمته إلى لغات أخرى؟
غرضي الأساسي في كتابة هذا الكتاب هو تمليك الجيل الجديد من أبناء أنيواك معلومات عن ثقافة جماعتهم، فالأغلبية منهم تتعلم بالإنجليزية ولا تجيد قراءة العربية.
كما أن أبناء القبيلة الذين لا يتحدثون العربية، خاصة أولئك الذين يقطنون في دولة إثيوبيا، وأولئك الذين يقيمون في الدول الغربية، هؤلاء عندما سمعوا بالكتاب طالبوني بترجمته فورًا لكي يتمكنوا من قراءته.
وفي العام ٢٠٢٤ تمت دعوتي في الولايات المتحدة الأمريكية لحضور اليوم الثقافي لجماعة أنيواك، وكان الكتاب سبب دعوتي، وهناك طالبوني بترجمة الكتاب فورًا، فقبلت الطلب ونفذته.
أتمنى أن تتمكن كل أسرة من الجماعة من امتلاك نسخة خاصة بها.
17. هل تعتقدين أن الترجمة تعطي الكتاب حياة جديدة أم تُفقده شيئًا من أصالته؟
لا يفقد الكتاب شيئًا من أصالته إلا في حالة سوء الترجمة. إذا لم يتبع المترجم أسلوبًا أدبيًا في الترجمة يضل الكتاب عن محتواه.
فالترجمة الغرض منها هو توسيع النطاق الضيق للكتاب، عن طريق تبادل المعلومات، التجارب، والثقافات بين المجتمعات. الترجمة تعطي الكتاب حياة جديدة لكون المعلومات والأفكار المتوفرة به تمكّن من الوصول إلى عالم أوسع.
18. ما هو حلمك الشخصي في مشروعك الكتابي الأوسع؟
الحلم هو أن أقدم رسالة تغيّر من حياة الأفراد، والحلم هو ألا أتوقف عن الكتابة أبدًا إذا كان في كتاباتي حياة.
المحور السادس: المستقبل والمخططات
19. هل تعملين حاليًا على رواية جديدة أو مجموعة قصصية؟
نعم، لدي العديد من الأعمال المعلّقة، مجموعة قصصية، وروايات غير مكتملة، بعض القصص والروايات فقط تحتاج إلى المراجعة والتدقيق اللغوي.
أحيانًا أشعر بالضجر نسبة لطبيعة حياتي، ولكن لا أمانع أن أصنع وقتًا خاصًا يليق بالكتابة ومداعبة الكتب.
20. ما الذي ترغبين أن يبقى إرثًا أدبيًا باسمك بعد سنوات طويلة؟
الرواية، سأكون فخورة جدًا وأنا أترك باسمي روايات تحمل فكري، قيمي، وشخصيتي المتفردة.
21. إلى أي مدى تفكرين في دمج العمل الصحفي بالأدب في كتاب مستقبلي؟
أفكر أحيانًا عندما أتطلع إلى مقالاتي الصحفية، ولكن لقلة عملي الصحفي لا أعتقد بأنه سيكون هناك دمج للعمل الصحفي بالأدب في المستقبل القريب، ربما في المستقبل البعيد إن شاء الله.
المحور السابع: المنصات الأدبية والموهبة
22. كيف ترين دور المنصات الرقمية التي تدّعي اكتشاف المواهب الأدبية؟
المنصات الرقمية بيئة مساعدة تسهّل عملية التفاعل بين مستخدميها، وتساعد بصورة فعالة في تبادل المعلومات، فهي تفتح الفرص أمام الجميع ليعبّروا عن أنفسهم ويشاركوا مواهبهم وأفكارهم مع الآخرين تكنولوجيًا.
وشخصيًا أنا من محبي تلك المنصات، أستخدمها وأتابع كل ما فيها من المعلومات، ولا أرى أن العالم سيخطو خطوة إلى الوراء لنتجاهل دور هذه المنصات في حياتنا. العالم يتقدّم، وربما القادم أكبر مما تقدمه تلك المنصات الرقمية.
23. هل تعتقدين أنها أوهام بالعظمة أكثر من كونها تأسيسًا حقيقيًا؟
لا أعتقد أن تلك المنصات أوهام بالعظمة، ولا يمكن أن تكون كذلك. فيها من الإيجابيات أكثر من السلبيات، وسوء الاستخدام هو الذي يجعلها تبدو أوهامًا، لكنها مؤسسات حقيقية تهدف إلى تطوير الإنسان.
24. أم ترين فيها وجهة صحيحة يمكن أن توجه الكاتب إلى مبتغاه؟
بالضبط، الوجه الصحيح أراه في نفسي. منذ أن بدأت نشر نصوصي الأدبية، كنت أشاركها على تلك المنصات، ولا أنكر فضلهم عليّ، فالمتابعون بها شجعوني.
لا يمكننا أن نمحو الدور الناجح الذي لعبته تلك المنصات في التواصل الاجتماعي وتسهيل الخدمات في عدة وجوه؛ من تبادل الأفكار، المعلومات، التجارب والخبرات. على هذه المنصات تُدار محاضرات، وأوراق علمية وصحفية، ودوريات تدريبية، وكتب، وندوات على كل المستويات، والجميع يستفيد من تلك المنصات، وأنا أستفيد منها.
25. ما النصيحة التي تقدمينها للشباب الكتّاب الذين ينشرون على هذه المنصات؟
نصيحتي للشباب هي أنه ليس في تلك المنصات عيب، فالعيب في مستخدميها. قبل أن ترتادها، اعرف من تكون، وماذا تريد، وإلى أي مدى تريد أن تصلك إلى مبتغاك ككاتب، ولو كنت مبتدئًا.
26. وأخيرًا، ماذا تقولين لجمهورك الذي يتابعك بين الصحافة والرواية والعمل الإنساني؟
جمهوري هم طاقتي الإيجابية، لا يملّون من متابعتي ولا يبخلون بالتشجيع والإرشاد. لدي نماذج من الرسائل التي أحملها في قلبي قبل هاتفي، وسأحتفظ بكل كلمة جميلة قيلت في حقي، وكل كلمة مشجعة تدفعني إلى الأمام.
جمهوري العزيز، لقد خطفتم قلبي، أحبكم جميعًا وأعني كل ما أقوم به تجاهكم. أعترف أن كل ما أكتبه أقدّمه لكم من القلب، فأنا منكم وفيكم ولكم، وأتمنى دائمًا أن أكون على حسن ظنكم.
شكرًا لكم من أعماق نفسي المليئة بحبكم واعتزازكم.
شكندرة تشكر الكاتبة روزا أيزاك أجيبا على هذه المساحة الدافئة الظليلة، نتمنى لها كل التوفيق، أبحرنا معها بهذا الحوار إلى شواطئ من الرقي والرقة والبراح والونس الجميل، على أمل أن نلتقيها بحوارات قادمة وبإصدارات جديدة متألقة ولها بصمتها في التاريخ الأدبي العالمي.