شكندرة تحاور الكاتب والقاص سايمون أتير
المحور الأول: البدايات والرحلة مع الكتابة
س1: كيف تصف لحظة اكتشافك الأولى لعلاقة نفسك بالكتابة؟
ج: كانت الكتابة بالنسبة لي منذ البداية أشبه بباب صغير انفتح على اتساع الكون. لم أبدأها كخيار واعٍ بقدر ما كانت حاجة داخلية، كأنني أفرغ هموم الروح على الورق. كنت أكتب لأفهم نفسي، لأتصالح مع الأسئلة التي لا يجيب عنها أحد. كيف قُتل أبي، ولماذا؟ كان هذا هو السؤال الأكثر إلحاحًا الذي أردت الحصول على إجابته! لذلك كل جملة كتبتها في البدء كانت محاولة مني لالتقاط الإجابة من الهواء قبل أن يتبخر.
أما لحظة اكتشاف نفسي كمحب للأدب أولًا ثم كاتب لاحقًا، فلم تكن على ورق، بل كانت على لسان جدتي، "أم والدي". فقد كانت حكّاءة عظيمة، تجري على لسانها الحكايات مثل جريان "نهر السوباط". لم تكن مجرد جدة تقصّ حكايات لتسلية حفيدها الأول؛ بل كانت أشبه بـ"مكتبة حية"، تحتشد في صدرها مرويات لا تنتهي. من مروياتها تلك بدأت تتشكل أول بذور الكتابة الأدبية في داخلي، لذلك كانت كتاباتي الباكرة انعكاسًا لتلك الحكايات.
س2: هل تذكر متى كتبت أول نص، وما الذي دفعك لكتابته؟
ج: وأنا في بداية شبابي، كتبت رسالة عاطفية –إن اعتبرناها نصًا– سكبت فيها ذخيرتي اللغوية المحدودة حينها. كنت مدفوعًا ببراءة وعفوية، بل بسذاجة "الحب الأول"، لذلك أعطيت الرسالة لوالدة تلك "المحبوبة المفترضة"! وكانت تلك أحموقة كبيرة لم أسلم بسببها من التقريع.
ولكن أول نص أدبي كتبته بحق كان أقصوصة بعنوان "حُلم الأرنب"، وهي محاولة بدائية لتقليد/ترجمة إحدى حكايات جدتي التي كانت تسردها بلغة الدينكا. أردت بهذه القصة أن أنقذها من الغياب، أن أجعلها تعيش على الورق. لم يكن النص جميلاً بالمعنى الفني، لكنه كان صادقًا بما يكفي ليعلمني أن الكتابة ليست مجرد فعل، بل عهد مع الذاكرة.
س3: كيف أثرت دراستك للمحاماة على أسلوبك ولغتك الأدبية؟
ج: أعتقد أن المحاماة منحتني الانضباط اللغوي، والقدرة على تقديم الحجج وبناء النصوص بإحكام. ولكنني ممتن للأدب لأنه أنقذني من جفاف القانون. حاليًا أنا أعيش انفصامًا جميلاً؛ فهناك سايمون المحامي الذي يقيم البرهان مستخدمًا العقل، وهناك سايمون الكاتب الذي يطارد الشغف مستخدمًا العاطفة. وبالطبع الجمع بين الاثنين مباح.
س4: ما الفرق بين سايمون المحامي وسايمون الكاتب؟
ج: كما قلت، المحامي يحاور مستخدمًا العقل، والكاتب يحاور مستخدمًا الوجدان. الأول يسعى إلى إقناع القاضي، والثاني يحاول أن يوقظ القارئ. في القاعة ألبس روب المحاماة، وفي الكتابة أعود إلى طفولتي، إلى جبة جدتي ودفء صوتها، ومع ذلك لا أحس بفرق بين سايمون المحامي وسايمون الكاتب يشكلان سايمون الشخص.
س5: هل ترى أن الأدب بالنسبة لك خلاص أم مسؤولية؟
ج: أراه الاثنين معًا؛ خلاص من قسوة الواقع وأوجاع الروح، ومسؤولية تجاه الذاكرة واللغة والهوية بل تجاه الإنسانية. أكتب لأتنفس، ولكن أيضًا لأترك أثرًا، حتى لو كان صغيرًا، في ذاكرة الآخرين.
المحور الثاني: أدب المراسلات والتجربة مع بوي جون
س6: كيف نشأت صداقتك مع الكاتب والطبيب بوي جون؟
ج: نشأت من المشتركات الإنسانية قبل الأدبية، فكلانا مصابان بحب الأمكنة، نسكنها وتسكننا، كما أننا نتشارك نفس الحلم: أن يسود السلام العالم. في الأدب بوي صديق يشبه نصوصه؛ عميق، وشفاف، وفيه شيء من الحكمة التي لا تُكتسب بالكتب بل بالحياة. وهذا ما أحبه في النصوص: العمق والصدق والشفافية.
س7: ما الذي دفعكما لاختيار "أدب المراسلات" كمساحة للتعبير؟
ج: الذي دفعنا لذلك أولا، هو البحث عن التقائية في زمن التكلف هذا، فأدب الرسائل أو أدب المراسلات بطبيعته صادق وعفوي. كنا نكتب بعضنا ولِبعضنا لا من أجل متعة الكتابة فقط، بل لنفتح نوافذ على أرواحنا. الكتابة في تلك اللحظة كانت مساحة صداقة قبل أن تكون أي شيء آخر.
س8: هل المراسلات بينكما كانت مشروعًا مقصودًا منذ البداية أم تحولت لاحقًا إلى كتاب؟
ج: لم تكن مشروعًا منذ البداية، ولم نكن نكتب تلك الرسائل لننشرها ورقيًا. لكن مع تراكمها، بدت وكأنها نص واحد طويل. لنجد أنفسنا أمام كتاب، أو للدقة "كُتيب"، مكتمل دون أن نقصد ذلك، فقررنا نشره.
س9: كيف كان التفاعل بين القاص الروائي (بوي جون) والقاص القصصي داخل هذا المشروع؟
ج: التفاعل كان مثل رقصة "الكُبولو". بوي يميل إلى السرد الممتد والروح الروائية، وأنا أميل إلى التكثيف واللمحة القصيرة. هذا التنوع خلق توازنًا جعل تلك المراسلات أشبه بتلك الرقصة الإيقائية الجميلة.
س10: كتابكما يوصف بأنه "عن لا شيء عن كل شيء"؛ كيف تشرح هذه العبارة؟
ج: ببساطة لأنه لم يكن يتعمد الإمساك بموضوع بعينه. كتبنا منذ البداية بكل تلقائية عن الحياة كما هي: صغيرة وكبيرة، تافهة وعميقة، يومية وأبدية. لذلك هو عن "لا شيء" في الظاهر، لكنه عن "كل شيء" في الجوهر.
المحور الثالث: الكتابة كرحلة وتجربة
س11: ما أصعب ما واجهته في مسارك الكتابي حتى الآن؟
ج: أصعب ما واجهته هو انعدام الشغف في الكثير من الأوقات، أو لحظات العجز أمام الورق، حين أشعر أنني فقدت اللغة، أو أصابني ما يُعرف بمتلازمة الورقة البيضاء أو "سدة الكتابة" (Writer's Block).
س12: هل تكتب بخطة مسبقة أم تدع النص يأخذك حيث يشاء؟
ج: أترك النص يقودني. الخطة عندي تقتل الدهشة، فأنا منحاز إلى التلقائية، بل الفوضوية في بعض الأحيان.
س13: أيهما أكثر حضورًا في نصوصك: الذات أم العالم الخارجي؟
ج: الذات مرآة، والعالم الخارجي ظلّها. الاثنان يتداخلان فلا ينفصلان. ولكن الذات أكثر حضورًا في نصوصي.
س14: كيف تختار موضوعات نصوصك عادة؟
ج: لا أختارها، بل هي التي تختارني. أحيانًا كلمة صغيرة أو مشهد عابر أو حتى دهشة طفل رأى نفسه في المرآة لأول مرة يفتح أمامي نصًا كاملاً.
س15: هل تجد أن القصة القصيرة ما زالت قادرة على منافسة الرواية في زمن السرد الطويل؟
ج: نعم. القصة القصيرة مثل ومضة برق، تختصر ما قد تعجز عنه الرواية في صفحات. في الحقيقة هي ليست قادرة على منافسة الرواية فقط بل قادرة على تجاوزها بمسافة كبيرة كما كان في تسعينيات القرن الماضي.
المحور الرابع: النشر والهوية
س16: كيف اخترت دار النشر التي أصدرت عملك الأول؟
ج: اخترتها بالحدس. شعرت أنها دار تفهم روحي أكثر من غيرها، ولكن بجانب الحدس كان لنقاشاتي السابقة أنا ومدير دار الموسوعة الصغيرة للنشر، الصديق الكاتب أحمد يعقوب من جانب، ونقاشاتي المتواصلة مع الصديق بوي جون من جانب آخر، عن هموم الكتابة والنشر والثقافة عمومًا، أثر في هذا الاختيار.
س17: ما الذي تبحث عنه في الناشر: الجانب المهني أم التقدير الأدبي؟
ج: كلاهما. أحتاج إلى المهنية في التعامل، لكنني أبحث أكثر عن ناشر يقرأني كإنسان لا كسلعة. بمعنى أن يكون الهم الأول هو نشر المعرفة لا بيع المعرفة.
س18: إلى أي مدى تهتم بقضايا الهوية والعادات والتقاليد في كتابتك؟
ج: هذه القضايا هي جوهر كتابتي. الهوية تفرض نفسها عليّ كما يفرض الظل وجوده على صاحبه. أنا أحمل الحكايات التي ورثتها عن جدتي، والأغاني التي سمعتها من الشيوخ، والطقوس التي تشكل وجدان الناس في قريتي. كل هذا ينساب إلى نصوصي دون قصد. أحيانًا أجد مثلاً شعبيًا يتسلل إلى قصة، أو صورة من ذاكرة جماعية تطلّ فجأة في سطر. يأتي اهتمامي بهذه القضايا لإيماني بأن الهوية تعطي للفرد عمقًا وانتماءً، وتجعله أكثر صدقًا في كتابته.
س19: هل ترى أن الكاتب ملزم بحمل ذاكرة الأمس معه دائمًا؟
ج: الذاكرة هي النبع الأول الذي تتدفق منه الحكايات. والأمس لا يزول، بل يظل يطلّ عبر الشخوص والأمكنة والرموز، والكاتب في جوهره امتداد لأصوات وتجارب الأمس. لذلك نعم، على الكاتب أن يحمل ذاكرة الأمس معه دائمًا، لكن بشرط أن يحملها لا كعبء، بل كمنارة.
س20: هل عانيت من صعوبة إيصال صوتك خارج الحدود الجغرافية؟
ج: نعم، عانيت، ولكن هي معاناة لها دواعيها. اللغة، والسياسة، والجغرافيا كلها حواجز. لكن في النهاية أنا أؤمن أن النص الجيد يجد طريقه خارج الحدود، ولو ببطء.
المحور الخامس: النصائح والأجيال الجديدة
س21: ما هي أهم نصيحة تقدمها للكتّاب من جيلك؟
ج: نصيحتي لهم: أن يكتبوا بصدق، لا ليرضوا ذوق القارئ العابر، ولا ليلحقوا موجة رائجة. فالكتابة ليست سباقًا ولا عرضًا مسرحيًا، بل فعل إيمان، حتى لو بدا بسيطًا أو غريبًا. فالنص الذي يولد من قلبٍ صادق يظلّ حيًّا مهما تغيّر الزمن.
س22: ماذا تقول للشباب الذين يريدون أن يكتبوا لكنهم يخشون الفشل؟
ج: الفشل جزء من عملية الكتابة. لا أحد يولد كاتبًا كاملاً.
س23: هل تؤمن بأن الموهبة وحدها تكفي، أم أن الصقل والتجريب أهم؟
ج: الموهبة بذرة، والتجريب هو الماء. بدون الماء تذبل البذرة.
س24: ما الكتاب أو الكاتب الذي ألهمك في بداياتك؟
ج: حكايات جدتي أولاً، ثم قراءات مبكرة في الأدب اللاتيني والروسي. ولكن إن أردت أن أختار كتابًا بعينه فسأختار "مقدمة ابن خلدون"، إن لم يكن لشمولية موضوعاته فبسبب أنه أول كتاب اشتريته بمالي في يفاعتي. أما الكاتب الذي ألهمني –في الحقيقة هم كُتاب– لذلك حتى لا أظلم أحدًا أو نفسي، سأختار شخصًا ليس بكاتب ولكن تأثيره لا يُضاهى؛ ذلك الشخص هو عم إبراهيم، بائع الكتب المستعملة، الذي فتح عيني لعالم الكتب. أنا مدين له بالمحبة مدى الحياة.
س25: كيف تقرأ اليوم كتجربة تتعلم منها وتغذي بها مشروعك الأدبي؟
ج: أقرأ كل ما يقع في يدي بحب، كمن ينصت إلى دقات قلب الكتاب. فالقراءة بالنسبة لي ليست من أجل المعلومات فقط، بل من أجل إشباع الروح ايضا.
المحور السادس: الحاضر والمستقبل
س26: هل هناك مشروع جديد قيد النشر أو قيد الكتابة حاليًا؟
ج: نعم، أعمل على مشروعين مختلفين:
الأول رواية قصيرة "نوفيلا" أعود فيها إلى مطلع تسعينيات الحرب الأهلية، حين كان الموت أدنى من شراك النعل. هذه العودة ليست بغرض محاكمة التاريخ بل استنطاقه.
الثاني في الأنثروبولوجيا الثقافية، وهو عمل تعريفي أكثر منه دراسة تحليلية لـ"المُراح" كفضاء ثقافي.
س27: ما الذي تتمنى أن تضيفه كتبك القادمة للمكتبة الأدبية؟
ج: أتمنى أن يضيف ما كتبته وما سأكتبه في المستقبل صوتًا صادقًا، يمثل هموم الناس والمكان الذي أنتمي إليه، وأيضًا أن تقدم شيئًا مختلفًا.
س28: كيف ترى مستقبل القصة القصيرة في ظل هيمنة الرواية؟
ج: رغم تراجعها لصالح أجناس أدبية أخرى، خصوصًا الرواية، إلا أنني أراها مستمرة، لأنها مثل الشعر: مهما حدث، سيبقى مكانها محفوظًا. إن القصة القصيرة ستشتعل مرة أخرى مثل القناديل، هذه قناعتي.
س29: إلى أي مدى ترى نفسك ملتزمًا بمشروع أدبي طويل النفس؟
ج: الكتابة ليست محطة عابرة في حياتي، بل هي حياتي نفسها، ومع ذلك لا أرى نفسي ملتزمًا بمشروع أدبي طويل، لا لشيء سوى أنني أكره أن أسجن نفسي في إطار معين.
س30: إذا امتلكت دار نشر وأصبحت ناشرًا، فما رسالتك التي ستوجهها للكتاب والقراء؟
ج: سأقول للكتّاب: اكتبوا بلا خوف. وأقول للقراء: لا تبحثوا عن الجواب في الكتاب، بل عن الأسئلة التي توقظ أرواحكم.
المحور السابع: المنصات الأدبية والرسالة العامة
س31: كيف تقيّم دور المنصات الأدبية الرقمية التي تتيح الفرصة للمواهب الشابة؟ وما محاسنها ومساوئها؟
ج: هي سلاح ذو حدين. تمنح الشباب فرصة لعرض أصواتهم، لكنها في الوقت نفسه قد تخلق ضجيجًا يغطي على الأصوات الأصيلة. ولكن أعتقد ان دورها مهم جداً خصوصا في هذا العصر الذي يتسم بالسرعة بل التسارع.
س32: ما هي رسالتك الأخيرة للقارئ الذي يفتح كتابك لأول مرة؟
ج: رسالتي بسيطة: لا تقرأني ككاتب بعيد، بل كرفيق يجلس بقربك. اعتبر نصوصي جمرة ألقيتها في العتمة، وأنت الالتماع الذي يمنحها معنى.
متن:
نهر السوباط: أحد روافد النيل، ينبع من إثيوبيا وينساب عبر جنوب السودان، ويصب في النيل الأبيض بالقرب من مدينة ملكال عند تل "دوليب هيل".
كُوبلو: رقصة شعبية إيقاعية تشتهر بها قبيلة الدينكا/آقار بجنوب السودان.
شكندرة تشكر الكاتب القاص سايمون اتير على هذه المساحة الماتعة، أدهشتنا أجوبته وطمعنا حقًا في المزيد من اللقاءات معه، نتمنى أن نلتقيه وهو يدشن أعماله قريبا، نتمنى له المزيد من التوفيق والألق.

ما اروع وصف الفرق بين المهنة الأكادمية و الشقف الروحي لكتابة الأدب
ردحذف