حوار شكندرة
كيف بدأت علاقتك بالكتابة؟ هل تتذكرين أول ما كتبته؟
ما اللحظة أو التجربة التي شعرت فيها بأنك تكتبين لا للتعبير فقط، بل كمن ينسج مشروعًا أدبيًا حقيقيًا؟
ابتدرت علاقتي بالكتابة منذ باكورة نشأتِي، زمانها كنتُ في الصف السادس الابتدائي، معتقدة أني أهرب من ضجيج العالم حولي إلى السطور وبين صفحات الدفاتر الصغيرة، خمنتُ وقتذاك أنّها الآمان.
أمارس طقوسي الخاصة بين السطور، أكتب قصصًا صغيرة وأعيش بين طياتها أعوامًا، دونتُ قصائد وقصص قصيرة وطويلة ولكنها كلها من أدب الطفل، وذلك تأثرًا بمشاهدتي لقناة شباب المستقبل سبيستون.
وعن اللحظة الفارقة التي أيقنتْ فيها أنني لا أكتب لمجرد أن أفضي ما في داخلي وحسب، هي لحظة مشاركةِ كتابتي عند فئة معينة من الكُتّاب وقد آتاني نصحهم على ثوبٍ مُختلف، فقد أجمعوا كلهم بإخراجها ورقيًا للنور، آملين منها أن تُلامس قلوب القراء كما لامست قلوبهم هم.
2. المسيرة والمنجز
حدثينا عن أبرز أعمالك المنشورة، كيف وُلدت فكرتها، وما الذي أردت أن تقوله من خلالها؟
ما العمل الأقرب إلى قلبك؟ ولماذا؟
هل هناك محور فكري أو إنساني يتكرر في كتاباتك دون تخطيط؟
من أبرز أعمالي المنشورة:
من عالم الروايات (حين حب وصدفة سطرها القدر واللقاء الملعون)
كتب الخواطر (ذاكرة الفراق، أيقظ قلبك، وضبابية الهوى).
مجموعتيِّ القصصية (حكايات الليل ونداء).
وجميعهم أقرب إلى قلبي فهم جميعهم أبنائي المفضليين، ولا أجزم أن الأمٌ عندما تُسأل عن أقرب أبنائها لها تختار اسمًا بعينه.
وأحدث تلكم الأعمال هي رواية (اللقاء الملعون- الصادرة من الدار المصرية السودانية الاماراتية- للعام 2025م، تصنيفها: النفسية الدرامية الاجتماعية ذات الطابع السوداوي)، وقد ابتدرتُ خطَّها منذ العام 2020م، إلا أنها لم تكن في خطة أنْ رواية يومًا ما، محض لقاءات عابرة، ورسائل خُطت عشوائيًا للمجهول. وأُرْجع الفضل إلى الكاتب محمد الفاتح الذي ألهمني بتحويلها إلى عمل روائي متكامل، وقد أذعنتُ إليه.
كما لا أنسى نصائح الأستاذ محمد الخير حامد وتصويباته النقدية التي أثْرت على الرواية.
وسأخبركم سرًا أن الرواية لم تكن خيالًا محضًا، وإنّما رسالةٌ مستلهمة من الواقع، وفيها الكثير من الإسقاطات عاطفية وفكرية ونفسية عميقة.
المحور الإنساني المتكرر في كتاباتي دون تخطيط هو الصراع الداخلي بين الإنسان وداخله، وحبل التعلّق أو قطعه، وغالبًا ما أكتشفه بعد الانتهاء من الكتابة لا أثناءها.
3. مشاريع قيد الكتابة أو النشر
هل تعملين حاليًا على مشروع جديد؟
كيف تنظمين وقتك بين الكتابة والعمل أو الحياة اليومية؟
ما الذي يهمك أن توصله في مشروعك القادم؟
قيد النشر رواية جديدة بعنوان (همس النوتة، سر المسرح القديم)، وهذه رواية قصيرة من أدب الرعب فازت في مسابقة سوموريون الأدبية للعام 2025م في العراق.
دائمًا ما أضع خطة للعام الجديد قبل بدايته، أرتب فيها الاولويات، كم نص سأكتب، وكم كتاب سأقرأ أيضًا، لذا أنظّم وقتي بينهما. وأقرأ أكثر حتى أجد المتعة واندفاع الأفكار لأخُطَّ، فهناك مشاهد تستفزك حتى تكتب عنها أو تصويرًا ضدّها.
ولكن حتى في زحام العمل أو المسؤوليات، تجدني أقتنص الفرص فرصة بأخرى، لأكتب وفي أي لحظة خطرت على بالي فكرة أو مشهد أو خاطرة ما تجدني إلا واستللتُ قلمي أو هاتفي لأحفظها لأنها إن ضاعت مني أجد صعوبة في استذكارها مرةً أخرى.
أمّا عن مشروعي القادم فهناك مقولة فحواها: (لا تعلن عن الرحلةِ بل أعلن الوصول بإذن الله)
إلا أن الرسالة التي أود إيصالها فهي أن: كيف يمكن للخذلان، الذاكرة والكلمة المفقودة أن تُعيد تشكيل الإنسان، وكيف تصبح الكتابة وسيلة مقاومة في وجه عالم لا يُنصت لآلام الداخل.
4. تجربة النشر
كيف كانت تجربتك مع النشر لأول مرة؟
ما الفرق الذي لاحظته بين النشر الورقي والرقمي؟
هل تنصحين الكُتّاب الجدد بالبدء من النشر الرقمي أم التوجه مباشرة إلى دور النشر؟ ولماذا؟
تجربتي الأولى مع النشر كانت كمن يُبرز جزء منه للعالم، خائفٌ من رد فعلهم، وواثق من إظهار لتجربته.
تجربة متناقضة بين الثقة وزعزعتها، على الرغم من ذلك فإن الخوف من النقدِ لا يفيد ولا يُقدم المرء، لكن لكل نمط من الكتابات جمهوره وقرائه.
الفرق بين النشر الورقي والإلكتروني كما يقال عنه فهو شاسع جدًا، النشر الورقي يمنح النص هيبة وبقاء، أمّا الأخير فواسع الانتشار، سريع التفاعل، إلا أنّه في الغالب ما يُستهلك بسرعة، لكن لكل منهما هيبته الخاصة.
لربما أنصح الكُتّاب الجدد بالبدء الكترونيًا، إن كانوا في طور التجريب، لأن التفاعل يعينهم على التطور، ومن ثمَّ التوجه إلى النشر الورقي حين يتيقنون من جاهزية مشروعهم.
وقد نشرتُ خمسة أعمال الكترونية قبل البدء بخطةِ النشر الورقي.
5. نصائح قبل النشر وبعده
ما الخطوات التي ترى أنها ضرورية قبل إرسال العمل للنشر؟
قبل إرسال العمل للنشر، أرى أن من الضروري: مراجعة العمل لغويًا ونحويًا، عرضه على قرّاء موثوقين، وقراءته بصوت عالٍ لاكتشاف العيوب.
ما الذي تعلمته من تجربة النشر وتود لو عرفته في بدايتك؟
الشيء الذي تمنيتُ لو أدركته باكرًا، إنّ النشر لا يأتي بلا قراءة أو حتى الكتابة ذاتها فإنها لا تكتمل بدونها، القراءة صندوق كنز لا يُفنى والمعرفة حُصالة الصندوق.
هل تُراجعين أعمالك بنفسك؟ أم تلجأين لمحرر أدبي؟
أراجع أعمالي بنفسي أولاً مرات عدّة، إلا أني لا أستغني عن نظرة المحرر الأدبي المتمكن، والعين الخارجية تبصر ما لا تراه الذات الكاتبة.
6. الوصول الرقمي والحضور الأدبي
كيف أثّرت وسائل التواصل في حضورك ككاتبة؟
ما رأيك في النشر عبر المدونات والمواقع الأدبية؟ هل يمنح الكاتب صوتًا أم يشتته؟
كيف ترى مستقبل النشر في ظل الذكاء الاصطناعي ومنصات التفاعل السريع؟
منحتني الحرية لصوتي، وساحة ألتقي فيها بالأدباء المختلفين، بيد أني أيضًا أحرص على ألا يطغى هذا الحضور على تركيزي في الكتابة.
النشر عبر المدونات والمواقع الأدبية تمنح الكاتب فرصةً لإيصال صوته في بدايته، بيد أنّه قد يشتّته إن لم يكن له مشروع واضح فالتوازن مطلوب.
لا أحبذ فكرة أن يدخل الذكاء الاصطناعي في الكتابات، وإن كان قادرًا على خلق عالمًا مماثلًا لِمَ يصنعه الأديب الحقيقي، إلا أنْ عالمه يفتقر للمسة العاطفية، وكما قد قيل فالنصوص الصادقة ذات النَفَس الإنساني الحقيقي ستبقى الأصدق أثرًا وبقاءًا.
7. رسائل للكتّاب الجدد
ما أهم 3 نصائح تقدمها لكل كاتب في بداياته؟
ما الأخطاء التي يجب على الكاتب تجنبها أثناء بناء مشروعه الأدبي؟
كيف يمكن للكاتب الجديد أن يكوّن هويته الخاصة وسط هذا الزخم الإبداعي؟
أنصح الكتّاب الجدد:
أ. أنْ يكثروا من القراءة، أن يقرؤوا أكثر مما يكتبون.
ب. أن يكتبوا بشغف لا لأجل التصفيق، ولا يخافوا من النقد.
من الأخطاء الشائعة:
أ. استعجال النشر لأجل اكتساب المال.
ب. وأيضًا مجاراة الموضات الأدبية بدل التعبير عن الذات.
حتى يكوّن الكاتب هويته، أولًا: أن يكتب من عمق تجربته بعد أن يختار المجال الذي يؤد أن يكتب عنه، أن لا ينظر إلى الكتابة من باب الشهرة وتكاثر الإوكما. وكما قلتِ وسط هذا الزخم الإبداعي فيجب عليه أن يلوك الصبر حتى تتبلور بصمته بينهم.
8. ختامًا
حدثينا عن مشاركاتك في المسابقات الأدبية ودورها في المشروع الكتابي؟
ما الذي تحلم أن تصل إليه كتابيًا بعد عشر سنوات؟
ماذا تعني لك الكتابة في كلمة واحدة؟
بالنسبة للمسابقات فهي تخلق للكاتب جناحين للتحليق بهما، وإن لم تكن معيارًا لتقييم العمل الأدبي، إلا أنها وسيلة من وسائل النشر. يمكن للمرء أن يعتبرها محض اختبار عليه أن يّعد له العدة وأن ينافس كُتّاب من مختلف الأجناس والأفكار، والوصول إلى القائمة الطويلة أو القصيرة في حد ذاته نجاحًا وفرحةً لا تُضاهي.
مشاركاتي في المسابقات حقًا مُتعبة سواء كان من حيث الوقت أو التوتر، إلا أني أعلم دائًما أن النتيجة تستحق التوتر كله. كما أنّ المسابقات الأدبية جعلتني أؤمن أن ما أكتبه يمكن أن يُقرأ، ويُلمَس، ويُقيَّم.
وأُدرك أن بعض الجوائز قد لا تكون مادية، إلا أنْ القيمة الحقيقية كانت في أثرها عليّ ككاتبة؛ منحتني صلابة، ودفعتني لأن أكون أكثر وعيًا بذاتي ك(مرمر) وبمشروعي الأدبي المُعدّ للمواجهة. ولن أنسى أيضًا أنها قد فتحت لي باب المعرفة بأسماءٍ وكتّاب مُبدعين جدًا، وشجعتني على صقل أدواتي وتطويرها، ودفعت بي أكثر نحو النشر والتفاعل، كما أنها ليستْ نهاية الطريق، إلا أني أعتبرها نوافذ برزتُ منها على ما هو أوسع، أعمق وأكثر جدية في مساري الأدبي.
وإن شاءالله وربنا يحيينا لوقتها بإذن الله، أحلم لبعد عشر سنوات، أن أغدو كاتبة لروايةٍ تُدرّس، أو على الأقل تبقى في ذاكرة القارئ طويلًا وأن أترك أثرًا أدبيًا في النفوس بإذن الله.
الكتابة بالنسبة لي في كلمة واحدة؟ أمل.
(شكندرة تشكر الكاتبة الحصيفة مرمر محمد على رحلة من الإجابات التي تحمل الكثير من النضج والحنكة، حوار يمهد الطريق لكل كاتب على عتبته الأولى، نتمنى لمرمر كل التوفيق في مشروعها الأدبي).

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق