عزيزي القارئ!
تُدرك جيداً أنك لست بعزيزي، أليس كذلك؟
بلى! أنت تُدرك ذلك.
ولكن، هل تساءلت يوماً للحظة لماذا يستهل معظم الكُتاب نصوصهم بمناداتك: عزيزي القارئ؟!
بالطبع أنت لم تفعل، وإلا لما وقعت فريسة هذا الفخ الفني مرة تلو الأخرى بمحض فضولك الغريزي -كما تفعل الآن- فلا يُخدع القارئ المُطلع من تلاعبٍ مرتين، إلا لأمرين، أتدري ما هما؟
بلى! أنت تدري ذلك كونك قارئ حصيف ولكن، هل تسمحُ لي بشرحهما نيابة عنك؟
بالتأكيد أنت لا تمانع!
حسناً إذاً، انتبه جيداً، الأمر الأول: فضولك المنبعث من جاذبية وغموض عنوان النص، فكرته أو بدايته المثيرة للدهشة، فأول ما يشد ويجذب القارئ لمواصلة القراءة هو عنوان النص -غموضه، تجسيده، تضاده..الخ- ثم فكرة النص -أصالتها، فرادتها..الخ- ثم يأتي دور صوتك الداخلي الذي يناديك ويأمرك: "هيا واصل القراءة، لنبحث عن مكامن الدهشة داخل النص"
والأمر الأخر: هو أسلوب وبراعة الكاتب في نسج الحبكة التي يستدرجك ويصطادك بها، فينثرها لك بين ثنايا وخبايا النص، ويضيف عليها بعض المحدقات الفاتحة للشهية والمكملة للعنوان كمحفز استقراء استمتاعي، وهي التي تثير بداخلك ذات الصوت القائل: "واصل القراءة، استمتع، ستُحل عُقدة النص"
والآن، هل استوعبت الدرس عزيزي القارئ؟
بل هل سمحت لذلك الصوت الداخلي أن يطرح هذا التساؤل: لماذا يفعل الكُتاب ذلك؟
لا بأس، أنا تساءلت بدلاً عنك وعن صوتك الداخلي، فوجدت أن هنالك ضرورات كتابية تحتم عليهم فعل هذا الأمر.
والآن دعني أهون الأمر عليك، وأُنبأك بتأويل وضرورة تلاعبهم ما استطعت إلى ذلك سرداً.
فالمؤكد عزيزي القارئ هو: أنك لست عزيزهم -كما أنك لست عزيزي- وتلك الجملة الافتتاحية لم تكن إلا لإثارة غريزة الفضول لديك -كما فعلت أنا في البداية، وكما أفعل الآن- وما أن يسترعوا انتباهتك بلجام الحبكة والدهشة، تصبح تلقائياً طوع تلاعبهم، خيالهم، أفكارهم ومفرداتهم -تصبح عزيزهم الذي يغذونه على عصارة الفضول- وهم بارعون في ذلك: في صنع الإثارة والعصارة... حد التشبُع والاشباع.
والآن، هل لي أن استرعي انتباهتك ونباهتك أنا أيضاً؟
لا تقلق! أنا فقط أريد أن أكشف لك سر السحر وسحر السر في كتابة النصوص الإبداعية.
حسناً إذاً، ما دامت رغبتك في أن أستمر في البوح وفضح السر والكنز الأعظم، حتماً سأفعل فأنت عزيزي القارئ -أو لست عزيزي- ولكني سأخبرك بعد أن تجيب على هذا السؤال: هل سمعت يوماً بالعصف الذهني الملازم للإبداع؟
بالطبع ما عدا الملازم للإبداع فأنا لا أشك في سماعك بالعصف الذهني.
دعني أولاً أنقل لك هذه المعلومة عن الإبداع:
"الإبداع نشاط نفسي اجتماعي، يقوم به الإنسان المبدع، ويترتب عليه ظهور منتج إبداعي جديد، يتميز بالأصالة المناسبة، فعند قولنا أن شخصاً أظهر تفكيراً إبداعياً فإن ذلك يعني إنتاجاً يتميز بالأصالة مقارنة بالإنتاجات السابقة، وإن كتابة مبدعة دونما تفكير، لا يمكن أن تكون"
والآن، دونما تفكير هذه، تعيدنا إلى إجابة سؤالنا عن العصف الذهني، وهو: وسيلة للحصول على أكبر عدد من الأفكار خلال فترة زمنية وجيزة.
وإن كنت تتساءل عن السبب في هذا الانحراف المفاجئ الذي طرأ في النص، فسأوضحه وأربط لك بين هذه المفاهيم بشرط، أن تمنحني فرصة تعريف الكتابة الإبداعية: وهي عملية البحث عن المعاني الفرعية للغة والسيطرة على المفردات بأخذها إلى ما وراء حدودها، وذلك بقصد اكتشاف ما يمكن من معاني وتوظيفها في إنتاج نص جديد.
والآن دعني أبسط لك هذا التعقيد: الكاتب إنسان مبدع ومبتكر، والابتكار يعني الفرادة وهي أصعب الطرق لكتابة نص، ولذلك يمتلك الكُتاب اعتقاداً راسخاً أن أصعب الطرق لفرادة النص هو استرعاء انتباهة القارئ وضمان متعته بخصيصة الاستقراء الاستمتاعي، وهذا الأمر يحتاج إلى إبداع، والإبداع يلزمه تفكير إبداعي، لذلك هو يفكر، يتأمل، يتقمص ويضع نفسه موضع القاريء -يستشعر ألامه، أحلامه ويفكر ويتساءل ويجيب بدلاً عنه- وهذا الأمر ترافقه عملية عصف ذهني، وعملية العصف الذهني هذه هي آلية لتوليد الأفكار، واستراتيجية ضمن مهارات وتقنيات الكتابة الإبداعية.
وهناك أمر أخير يخص الكتابة الإبداعية، هل تعرفه؟
أحسنت عزيزي القارئ، هو ذاك: الخيال!
والخيال الإبداعي هذا هو الذي يُسلم الكاتب زمام الأمور، ويُملكه فضاء النص ويعطيه الحق في مخاطبتك بعزيزي -كما فعلت أنا قبل قليل- والتفكير الإبداعي مع الخيال هما اللذان يحلقان بالكاتب ويضعانه موضع القارئ، ويفعلان العكس بالقارئ لتكتمل حلقة الوصل، وتتضح الصورة وتنضج الفكرة قبل أن تصل إلى القارئ طازجة.
والآن، عزيزي القارئ!
هل اكتملت حلقة الوصل بيننا؟
هل اتضحت لك الصورة؟
هل نضجت الفكرة؟
هل وصلتك طازجة؟
هل استطعت الربط بين جُملتي: العصف الذهني، الملازم للإبداع؟
هل تسمح لي أن أختتم هذا النص بأول كلمتين بعد العنوان؟
بلى! ستفعل، فأنت: عزيزي القارئ!
#عمر_التوم

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق