لم يكن الأمر سهلاً، فأختي الكبرى تحضر حقيبة السفر بنشيج مكتوم ، و أمي قد جهزت مطربانات الزيتون والمربى والمكدوس والشنكليش وهي غارقة بدموع لم تنشف حول وجنتيها، أما أختي الصغرى فقد لازمت احتضان صورتي و تقبيلها بين الحين والآخر، أما أبي ذلك الجبل الذي لم تهزه ريح فقد انكفأ معتكفا في صومعته حزينا، أما زوجتي فهي لاتكاد تنفك محتضنة خاصرتي كيفما تحركت، فزواجنا لم يمضي عليه شهرا كاملا ،وقد حزنت حزنا شديدا بعدما كانت تنعتني بالبائس ذو الحظ الفقير وأن مكان البادية موحش وغير آمن لا كما تصفه مواضيع التعبير الفني .
لقد سيطرت غيوم الحزن على البيت مختلطة بسكينة هدوء مؤلم ،ألا أن عزيمتي على السفر لم تهتز أبدا، ففي قرارة نفسي تلك الفرصة المواتية بعد معاناة البحث عن وظيفة، ها قد نجحت أخيرا في مسابقة التدريس وزيل أمام اسمي كلمة الناجح الأول دون وساطة أو رشوة ، لكن زوجتي كانت تعلل نجاحي بالقول بأن المنطقة التي صدر قرار تعيني فيها، لم يتقدم إليها من بين آلاف المتقدمين أي متسابق ، حيث أنها منطقة صحراوية بعيدة لاطيرا يطيرا ولاحمارا يسير، قفراء نفراء يهرب منها الجمل بما حمل، وأنا المتقدم الوحيد فمن الطبيعي أن أكون ناجحا.
حزمت حقائبي وقفت أمام السيارة في مراسم الوداع الأخيرة وودعت ينابيع الحنان مجتمعة، وحالما وصلت إلى تلك المنطقة ، سألت أحد رعاة الغنم عن مدرسة نابغة الذبياني فأجابني بلهجة غير مفهومة استطعت ترجمتها في النهاية بأن لامدرسة هنا، وخيل لي بأن الأمر ورطة أو أن في الأمر للبث ما.
واقترب مني شاب نحيف شعره أسود يرتدي جلباب واسع متسخ ، بادرته بالتحية والسؤال عن مدرسة نابغة الذبياني ، علت وجهه ابتسامة خبيثة وقال : انظر إلى تلك الخيمة ثم أشار بيده قائلا: اقصدهم وهنالك مرادك.
حزمت حقائبي وتوجهت نحو الخيمة وقبل الاقتراب وجدت ثلاثة أولاد يلعبون بالتراب وهم حفاة عراة ويحمل الولد الأكبر عود شجرة رمان قاسية بيده ، عندما رأني هرع باتجاه المضيف وصاح بصوت قوي:
ياشيخ ياشيخ قاصدينك ضيوف.
فبرز من شق الخيمة رأس امرأة منقبة ، نبرت بصوتها الخشن وقالت له : هذا الأستاذ يا الخبل، خليه يدخل المدرسة.
وهنا ازداد استغرابي من كلمة مدرسة ، أي مدرسة ! أين المدرسة؟
أخذت عيناي تحوصان فتمسح المكان بحثا عن المدرسة، لاشيء سوى خيمة صغيرة تحاذي خيمة كبيرة فقط .
رجع الولد راكضا باتجاهي بعد أن ارتدى كنزة طويلة سترت عورته ، وأخبرني أن أدخل إلى المدرسة وقد أشار إلى الخيمة الصغيرة حالما يأتي الشيخ فهو في مصالحة بين أولاد أعمامه .
وماهي إلا لحظات، وقد آتى الشيخ عويد، رحب بي وشرح لي ماكان خافيا علي، فهم من البدو الرحل يبحثون عن الماء َو الكلأ، ووزارة التربية تتفهم وضعهم و ترسل لهم مدرس كل سنة بعد أن تعهد الشيخ عويد بتأمين المكان للمدرسة والسكن للمدرس.
أنهى الشيخ عويد كلامه واستأذن مني لكي ارتاح في الخيمة حيث للخيمة باب يأخذني إلى خيمة أوسع مفروشة بالبسط وكرسي صغير من القش لجلوس المدرس وتلك هي المدرسة .
لم يكن يخيل لي الأمر هكذا، ومضت الليلة الأولى كأنها دهر من الزمن حيث الأفكار كموج البحر تأخذني إلى الصعوبات التي سأعانيها تارة ومنظر الأطفال لايفارق خيالي وتارة كمية المعاناة التي عانيتها حتى حصلت على وظيفة ، أما دموع أمي وصلابة أبي وحنان أختي وشوق زوجتي مازال ماثلا أمامي لا يفارقني رغم كل المسافات.
حمدت الله على ما أصابني، وفي اليوم الثاني وأنا مع الأولاد نغني نشيد ماما ماما يا أنغاما
أطل رأس من شق الخيمة واذ بالشيخ عويد يقول: يا أستاذ لقد نوينا ترتيب الأمتعة وعلينا اليوم الاستعداد للرحيل لقد جفت المياه وقلة الأعشاب.
صدمت بالخبر، لكن ماباليد حيلة، هذا قدري، هممت بحزم الأمتعة معهم وتم الإعلان عن ساعة الرحيل حيث بدأنا المسير وكلما وصلنا لمنطقة ما لم يكن الشيخ مقتنعا بالركون والمكوث فيها إلا أننا اقتربنا من المدينة وصرت على مقربة من الأحياء التي نسكنها بل على بعد مسافة قليلة وحينها اقتنع الشيخ بالمكوث فيها حيث العشب والماء ولقربها أيضا من أولاد عمومته في المدينة، لكن المفاجأة الكبرى هي حينما وقفت أمام أمي وأنا أطرق الباب بقيت متجمدة للحظات لم تصدق عينيها هل أنا ولدها وقد سافرت منذ يوم فقط ، وهكذا صرت كل يوم أذهب وأعود إلى أهلي وزوجتي وأبي وأختي محملا باللبن والحليب والصوف بين الحين والآخر.
*الشنكليش(اللبن الناشف المعرض للشمس يخزن للشتاء كمونة)
#مدونة_شكندرة
#أسامة_اليوسف