أخبرني المارد أنّ الحال من بعدي لا يُعاش، أن أهلي وأصحابي في أسوأ أحوالهم رغم أني بينهم يبكون ويندبون حظوظهم التي أبعدتهم عني قُبيل وفاتي.
أردتُ إخبارهم بأنّي لم أمت فعليًا،فحملتُ كُراستي وأحرفي وكتبت :
(الرسائل الثلاث الأولى لم يتم تحديد مستلميها)
الرسالة الأولى:
لا أعلم كيف لكم ألّا ترونني!
أنا أقف أمامكم، بهذه البساطة والتعقيد، أشهق وأزفر، قلبي ينبض ببطء لكن هذا لا يعني موتي.
تبًـا لي واللعنة عليّ...
الرسالة الثانية:
في السابع من شهر أغسطس الماضي كُنت في أفضل حالاتي، كنت سعيدة جدًا، يتراقص خافقي فرحًـا، وأهتف بكل سعادة أني أحب الحياة حُبّـًا جمّـًا.
حتي المساء، عندما أتى الرعد غاضبًا والبرق عاجز عن تهدئته، تصادمت السحب خشية منه حتى هطل المطر على هيئة غضب كامن، لم أنوي حينها أن أبقى أسفل السقف الساقط عليّ، لم أرغب في أنْ أكون فُتاتًا متهشمًا أسفل الأنقاض لكنه حدث، رُغمًا عن جُلّ رغباتي.
رأيتك يا أمي قُبيل تهشيمي، كنتِ تضحكين وتُمازحينني، وكان أبي يُغازلك بسعادة لم يُكنها قبلًا، وشقيقي يُصفر لكما عابثًا...
ليتني لم أشعر بالعطش وقتها، ليتني لم أذهب إلى حتفي بقدميّ.
الرسالة الثالثة:
الندم يتآكلني، يذبحني ويدمي رُوحي؛ لأن الدمار حلّ سقف عائلتي، تهشموا معي وظلوا بين البينين، أحياء وأموات!
لا أعلم كيف بإمكاني إبداء أسفي، لا أعلم كيف لي أن أصلح ما قد فسد، لكني أتمنى ذلك، ربما سـتتحقق أمنيتي هذه.
الرسالة الرابعة:
إلى أمي، أنتِ تعلمين أني أحبك أليس كذلك؟
لا تبكيني، لا تحرقيني بدمعاتك، لا تضاعفي أوجاعهم أرجوك أصمدي هذه المرة، لأجلي!
الرسالة الخامسة:
إلى أبي،
تالله إن دمعك يزيدني رغبة في الاختفاء عن العالم أجمع، تارة أخرى؛ أكره وجودي عاجزة أمامك هكذا
تماسك، تماسك، تماسك يا أبي...
الرسالة السادسة:
إلى شقيقي،أتذكر حينما كنا نتشاجر، وكنت أقول لك أني أكرهك وألعن اليوم الذي جمعني بك؟!
كنتُ أكذب حينها، كما كذبت في رغبتي في الموت على تزوج رجلًا يشبهك...
أحبك كثيرًا يا أخي، وأتمني عودتي حتى أقولها لك صراحةً، لكني مت، مت حقّـًا، لا تدع رسائلي الأولى تجعلك تصدق وجودي، سـأختفي، وأذهب بعيدًا، لكنك ستبقى لأجلهما، أنا أثق بك، لا تخف بإمكانك تحمل هذا العبء...
الرسالة السابعة:
إلى رفيقتي:
التي لم أرَ منها سِوى الحب،
أنا حقّـًا أعتذر على ذهابي هكذا، بلا وداع..
كنت قد نويت أن أعقد الصلح بيننا، كتبت لكِ رسالة تحوي كل الكلمات التي قد تغفر لي ذِلتي لكن الهاتف تهشم معي. (الرسالة الأولى)
الرسالة الثامنة :
إلى السيد ميم،
أتراك ستغفر لي قولي أني أريد أن أموت!
أتراك نسيتني ما أن حلّت إحداهن مكاني؟
هل ستصدقني إن قلت لك أني أشتاقك وأبكيك وأنا ميتة؟
قلبي لا زال يُوجعني، وتلك الليلة لم ترحل معي، بل بقيت مع شبحي. (الرسالة الأولى)
الرسال التاسعة،
إلى جميع رُفقائي،
حسبت أنّ بعدي قد عودكم على فراقي، لكني كُنتُ مخطئة، كما أخطأتُ في تقديري لمقدار محبتكم لي.
لا أملك فعلًا أو قولًا، فقد ظلمتني الأحرف حينما رأيت ما أصابكم، وكأن الذي مات لم يكن أنا بل أنتم!
الرسالة العاشرة:
إلى السيد ميم،
أخبرتك قُبيل حادثتني بـ عدة أيام أني أضعف مما أبدو عليه، وأني قد سئمتُ من حياتي، وأني أرى الموت هو الملاذ الآمن لي بعيدًا عن أعين الشفقة والحيرة...
في الحقيقة، رغبتُ في قول ما قلت لتعود إليّ وتضمني بين ذراعيّك أنت لا أن يضمني اللحد، وددت أن أحيا بين ثنايا قلبك حتى أُدفن فيها، لكن للأقدار أراءٌ أخرى، وعلى ما يبدو أن الشهب حملت دُعائي وأمنيتي الآثمة (الرسالة الثانية)
الرسالة الحادية عشر:
إلى رفيقتي،
أتذكرين تلك الليلة، التي قلت لك فيها بصريح العبارة " كيف لهذه الحياة أن تكون هكذا" كنت ناقمة على نفسي، وعلى ميم وعلى كُل من في الوجود، لعنت الأرض والسماء، ولعنتك وتشاجرنا!
لم تكوني تُعاتبيني بل خائفة عليّ من نفسي، ومن أن أؤذيها، فآذيتك وأوجعت قلبك الذي لم يُكِن السوء لي يومًا..
واليوم أعض على نواجذي، لأني لم أقل لكِ أنا أحبك للمرة الأخيرة. (الرسالة الثانية)
الرسالة الثانية عشر:
إلى أبي وأمي، أخي ورفيقتي، ميم ورُفقائي،
يعز عليّ فراقكم، لكنها تراجيدية الحياة، وسنن الأقدار، يوم تحيى وآخر تموت فيه، مُهشمًا أو على الفراش لا فرق، هو الموت ذاته.
لم أكن يومّا إبنة جيدة، أو أختًا محبة، لم أكن صديقة جيدة أو حبيبة صريحة، كُنت الطرف السىء دائمًا، ولم أعِ ذلك إلّا حينما هبط السفق عليّ، وأخذ جسدي وترك روحي تعبثُ في الأرجاء، لكني الأن أرى النور، وسـأذهب بعيدًا، لكن لا تنسوني!
مني أنا، تلك التي ظنّت التمني لعبة حتى باتت مع الأموات!
#تسنيم_حسين
#مدونة_شكندرة

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق