الأربعاء، 7 أكتوبر 2020

حكاية الندّين

 





تُجلِس الوالدة الحنون إبنها الصغير حيث معترك الحياة ؛ تريد أن تلقنه درساً مهماً عن إحترام الآخرين وكينونتهم فيها :

بُني الحبيب، لقد وهب الخالقُ لكلّ شيء في هذا الكون وظيفة ودور، و شئنا أم أبينا يا بُني، فلن نستطيع إنكار هذا الأمر إن علمنا حكمته أم خَفيت علينا .

ولتفهم الأمر أكثر سأسرُد عليك كنه القصة من البداية .


 معركة حامية تشتد وسط أرض الحياة !

ماذا يا بُنّي اللون أتقول أنه شجار آخر يحتدم بين أخضر والأخ أزرق ؟!


_ألم تلحظ أنني أُزيّن دفتي الحياة ؟  يتعالى صوت أزرق في الأفق، ترفع لحاظك تراني تزدان بي السماء ، وتضرب في الماء ترحالاً تجدني من تحتك أحملك وأهدهدك بزُرقتي الرقراقة ؛إذاً كيف لا أكون لون الحياة أجبني ؟! 

أما ترى المهموم و المريض ومن زاره الحنين أو ألم الفقدان، يقطع الفيافي و يطوي المسافات الطوال، في سبيل الظفر بلحظة يستجمّ فيها بقرب بحر أو نهر أو بحيرة أو محيط، فبرؤية الأشياء التي تحتويني تنمحي كل تلك المآسي، وتتهلل البشارات وتدب في العروق نبضات الحياة! 

بل لأريك الدليل الأكبر ؛ لولا هذا لما جُعل الماء للرائي أزرقاً، لن أُجادلك بحجج أُناس العلوم والفيزياء المعقدة تلك، ولن أدخل في تفاصيل لن تغن ولن تذر ؛ ولعلمك ليس للأمر علاقة البتة بكمِ أو نوعِ ذرات أوكسجين أو هيدروجين كما قد يُتخيّل للبعض،ولا انكسار أشعة ولا إنعكاسها ! فببساطة لأن الزرقة هي لون النقاء ولون الحياة البسيط، و كما يُقال البساطة هي التي تملِك بعد كل شيء . حتماً ليس لهذا الإختيار أي صلة بالمصادفة، فهذا الكون البديع يا عزيزي كما تعلم لا مكان فيه للمصادفة .ولأُحيطك علماً فقط يكفيني شرفاً ومكانة وعزاً ، أن فضّلني سيد بني البشر على سائر الألوان! وهل بعد هذا أحتاج لبرهان ؟! 

_يرمي أزرق بمالم يكن في الحسبان ، من بعد نوبة غيظٍ لم تكن إلاَّ كما انفجار قلب البركان !

كفى ياأخضر ! أرى أنه يجب أن تعرف حدودك أولاً قبل أن تأتي وتتطاول على أسيادك، والله لا أراك إلاَّ جاهل بمكانتي، أم تراك مُتجاهل ؟! 

ما تكون لتُقارن نفسك بي وأنا أحد الثلاثة المبجلين وسلاطين الألوان الأولين ؟ 

وما أنت إلاَّ نتاجي وما كنت إلاَّ مني، أنا كائن حتماً بوجودك أو بغيابك لا بُد، ولكن ماأنت وماتكون لولاي، ها أخبرني؟

وهل أنت إلاَّ بإرتباط إصفرار أشعة الشمسِ و زُرقة الحياة ؟!

صمتَ الجميع بعد الذي أدلى به أزرق، حتى هو نفسه؛ إذ لم يعهده أحد يفقد رباطة جأشه من قبل، وهل كان إلاَّ مثالاً للحكمة والسماحة في أرض الألوان !

ينفضُّ الجمع بهدوء، بلا صخب أو تعليقٍ على معركة الندين الخصيمان، ويغادر أخضر فاغراً فاهاً من هول صفعة الخذلان .. تاركاً أزرق غارقاً يتقلّبُ ندماً وحيران !

فقد فهم وحده أن الحياة لا تقوم بأحد وحده، فقد كان موقناً بهذا لكنه لوهلة عُمي وقد فقد الإتزان، وأن الخالق إنما خلقنا لنقوم ببعضنا وبنا معاً يكتمل الصرح ويشتد البنيان .


#Nihal_Emad

#مدونة_شكندرة

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

صوت الناشر يحاور دار اسكرايب للنشر والتوزيع ومديرها العام يوسف حسين

حوار مدونة شكندرة مع مدير دار اسكرايب للنشر والتوزيع، الأستاذ الكاتب الروائي يوسف حسين. أولًا: عن التجربة الروائية والشخصية 1- كيف بدأت رحلت...