_كُلُّكَ ذِكرياتٌ؛ والذِكرياتُ تقتُلُنِي في اليومِ مئةَ مرّة.
_ مررتُ بشارِعِنا المُعتاد ، أبصرتُ هُناكَ "الحاجّة زينب" تجلِسُ تحتَ شجرةِ "النيمِ" الكبيرة، وحولها صِبيةٌ أتَوا لِشُربِ الشايِّ و القهوة، صورةٌ مُبهِجةٌ حزينة مرّت مِن أمامِ عيني ، لا تستغرِب فكُلُّك تناقُضاتٌ وكُلِّي معك غريبة، ظننتُ الغُربةَ فيكَ وطناً لكِنّهُ جارَ عليّ.
صورتُنا ونحنُ نأتي كُلَّ يومٍ بعدَ الدوامِ ونُلقِي التحيّةَ على "الحاجه زينب"، ثُم نجلِسُ على كُرسيّينِ مُتقابِلينِ تتوسطُّنا طاوِلةٌ صغيرة، تُزيِّنُها كعادتِك ببعضٍ من وردٍ تقطُفهُ مِن أزهارِ "الحاج آدم"، أتذكَّرُ صُراخهُ علينا حِينَ يراكَ تقطِفُ وردَ حديقتِه؛ فيأخُذُ عصاهُ ويركُضُ وراءنا فنُسرِعُ لنختبِئَ خلفَ ذاكَ الكُشكِ القديم، وضحكاتُنا تُزاحِمُ أنفاسنا الهائِجة.
_ تُحضِرُ "الحاجه زينب" كوبينِ من القهوةِ وتُرفِقُ معهما ابتسامتها الحانية، تتناولُ كوبكَ لِترتشِفَ منهُ أول رشفةٍ فتُقطِّبُ حاجبيكَ مُعلِناً استِغرابك،أسألُكَ ما الخطبُ؟ فتُجيبُني أنَّ عليَّ الحذرَ؛ فالقهوةٌ تكادُ تُنافِسُني على المرتبة ِ الأُولى داخِلَ قلبِك، أبتسِمُ ثُمَّ أُجيبكَ أنّني الأُولى ولا بدِيل، وأنَّ شُربَ القهوةِ ممنوعٌ عليكَ مُنذُ اليومِ حتّى أُعِدّها لكَ من يديَّ فتُحبها لأنّها مِنّي وتُحبُّني أضعافاً لأنني صانِعتُها.
_كُلُّكَ ذِكريات..
ألبومُ صُورِكَ ما زالَ على أوّلِ رُفوفِ مكتبتي،أُطالِعهُ كُلَّ يومٍ؛ فأعيشُ معكَ جميعَ مراحِلِ حياتِك،طِفلاً ، شاباً ، وشيخاً شاخَ حُبُّهُ لي وإن كان ما زالَ شابّا، كُلّما تذكرتُ الوعُودَ مِنكَ طَرقت أُذُنايَ أُغنيةُ شيرين:
"كُلِّ ما انسالَك كلامك،برجع افتِكرو
في الزمن دا الكدابين اتمكنوا وكِتروا."
_ظننتُكَ برّاً فكُنتَ بحراً أغرقتنِي أمواجُه.
_صِغتُ لكَ الأعذارَ حتّى تعِبَ العُذرُ مِنّي ، سألتُ عنكـَ فنجانَ القهوةِ وشجرة النيم ، سألتُ شارِعنا المُعتاد، كُرسيّكَ المُفضّل، "الحاجه زينب" ، ورود الحديقة ، "الحاج آدم"، سألتُ عنكـَ كُلَّ من يعرِفُكَ ونسيتُ أن أسألَ قلبي،سألتُ عنكـَ ولم تُقنِعني الإجاباتَ ، بحثتُ عنكَ ولم تُسعِفنِي الطُرُق ، كتبتُ إليكَ ولم يُنصِفنِي الكلام ، اشتقتُ إليكَ والشوقُ انتحر.
سأختِمُ الحِكايةَ، ولو لم تكُن النهايةُ لائِقةً بي لكِنّها لائِقةٌ بِكَ ، نهايةٌ سيّئةٌ كسُوءِ قلبِكَ الذي حينَ طرقتُهُ أوصدَ أبوابهُ بوجهي ، نهايةٌ تليقُ بجبان أخُطُّها بقلمٍ أسوَد ، ودمعٍ بلّلَ القِرطاسَ مُعلِناً أنّها النهايةُ ولا بِدايةَ معكَ بعدها.
صفحةٌ اقتلعتُها ولا مكانَ لها سِوى مزبلةِ المشاعِر،البِدايةُ الآنَ مني وإليّ ، البدايةُ نفسي ولا تهاون ، والنهايةُ كرامتي ولا تنازُل، فاذهب غيرَ مأسوفاً عليكَ؛ فكُلُّكَ ذِكرياتٌ والذِكرياتُ تقتُلُنِي في اليومِ مئةَ مرّة.
#غفران _تاج_السر
#مدونة_شكندرة

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق