عزيزي روديون راسكولنيكوف:
لم تكن كلماتي هذه لتخرج لولا أنك لم تبعثر أمراً ما في داخلي، لا أدري حقاً هل رتبت تلك الفوضى أم أنك بعثرتها بشكل جديد بشكل غريب لم يلبث أحد قط أن فعل ذلك.
أصبحت بطرسبرغ أجمل، أتدري كنت أتحاشى النظر في الطرقات إلى المنازل والحانات، إلى الأشجار والباعة، كنت أشعر بنظراتهم المقرفة تلاحقني و همساتهم وقهقهاتهم المثيرة للاشمئزاز تتعالى كلما مررت بأحدهم،
أتعلم يا روديا لست غاضبة من هؤلاء الناس على أية حال، فطبيعتهم هكذا، وحياتهم هكذا، الفراغ يصنع أكتر من ذلك، هم بالتأكيد أناس بسيطون فقراء، ومع هذا فإن تعثرهم بمن هو أشقى منهم يبعث في نفوسهم شيئاً من الزهو والافتخار والراحة، فيحتقرونه ويقللون من شأنه.
هذه طبيعة البشر ولن أحاسب الجميع.
لست جيدة بما يكفي لأن أحاسبهم ولست ملاكاً عظيماً يشع طهراً ونقاءً، أنا مخطئة آثمة، نعم، كرهت نفسي وجسدي، والبشر، كنت على شفا حفرة من حبلٍ سميكٍ يشدّ قبضته على عنقي فيعلن نهايتي ورحيلي عن هذا العالم الظالم، لكن خيطاً بسيطاً كان يدفعني عن ذلك؛ والدي وكاترينا إيفانوفنا زوجته والصغار بوليا ولينيا وكوليا،
كنت أتلاشى من الداخل وأنا أرى والدي الذي أعياه الفقر والسَّكر، يطلب مني آخر مابقي معي من النقود وهو مخفضٌ رأسه ويتجرع الدموع، لكنني ألصقت ابتسامة على وجهي مطمئنة إياه بأنني لست حاقدة عليه لأنه من جعلني على هذه الهيئة والحال .
كنت أشعر بألمه وحزنه لأجلي، حتى نظراته وهو يغيب عن هذه الحياة كانت تحكي الكثير، وتعتذر أشد الاعتذار عن الخطايا التي دفعني لارتكابها،
كنت ضائعة، حزينة، متألمة وجئت أنت، نعم يا روديا لقد أحدثت فارقاً عظيماً في حياتي منذ اللحظة الأولى، وتيقنت أن الكون عادل فأهدانا إياك كعطية من عطايا الرب.
أتعلم يا روديا لم أصدق كلماتك تلك التي أحطّني بها وأنت تعترف لي بأنك قاتل، كنت أظنك بعيداً عن الذنوب والمعاصي، ظننتك ملاكاً، كيف لا وقد قدمت كل ماتملك لنا أنا وكاترينا للقيام بمراسم دفن والدي، كيف لا وقد حضنت بوليا الصغيرة و بكيت معها كما يبكي الأطفال، كيف لا وقد وقفت في وجه كل من حاول النيل مني ومن كرامتي.
حزنت في قرارة نفسي عندما علمت أنك لست مؤمناً، فأوجست خيفة عليك، وبدأت أدعو الرب أن يكتب لك الهداية، لكن خوفي قد انقشع وقتما طلبت مني أن أصلي لأجلك و لأجل أن تكون بحال أفضل وطلبت مني الكتاب المقدس ليبقى في جيبك.
لا أخفيك سراً أن قلبي كان يوشك أن يفقد نبضه وأنا أطلب منك أن تذهب وتعترف بجرمك، أن تتحمل عواقب فعلتك، لم أكن أريد أن تتعذب في الحياة الأولى والآخرة أيضاً، كنت تقول لي لم أقتل إلا ظالماً لم أقتل لمجرد القتل، قتلت مبدأً عقيماً عجوز، كنت أعرف أنك تهذي ، كنت أعلم أن الحمّى البيضاء لم تفارقك، لذا تبعتك إلى مكتب الشرطة وذرفت الدموع وأنا آراك منقاداً بكل إرادتك إلى سيبيريا إلى سجنك الذي ستقضي فيه وقتاً ليس بالقصير.
أحببتك يا روديا أحببتك بمرضك وجنونك وهذيانك، بفقرك المتقع ووساوسك وتفاصيلك المبهمة،
بقي خمس سنوات حتى ترى أنوار الصباح مرة أخرى ،سأنتظرك، سأبقى بجانبك، سترى قريباً أن الحياة لم تكن بالقبح الذي حدثتني عنه، ستجد نهر نيفا وجسره أشد إبهاراً وجمالاً، وستلقى جزيرة بتروفسكي أكثر روعة، لن يكون منزلك وحارتك القديمة بالسوء الذي لطالما وجدتهما عليه.
ستتغير رؤيتك، ستتغير أفكارك، ستتغير أنت ياروديون صدقني ستكون أفضل أفضل بكثير.
المخلصة: سونيا سيميونوفنا
#Aisha
#مدونة_شكندرة

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق