الاثنين، 22 يونيو 2020

إدعاء




     وقد أذكر بين الفينة والأخرى كيف أن ذلك الماضي الذي عشته أفضل بكثيرٍ من هذا المستقبل الذي صار حاضراً الآن، هذا المستقبل الحاضر الذي لم أذق فيهِ طعم السعادة كما تذوقتها في ذلك الماضي الذي أحن إليه الآن بكل مشاعري التي أجّجتها الذكريات الجميلة. هذا الحاضر هو أشبه بدور سينمائي أقوم أنا بتأديته من أول مرة دون أي بروفة تسبقه، هكذا وجدت نفسي على خشبة المسرح أمام تلك الوجوه العابسة، تلك الوجوه نفسها كانت تنتظر دورها أو هي تعيشه حقا، وأنا أمامهم لا أدري ماذا أفعل أو ماذا أقول، نعم فلقد كنت مخيراً في أداء دوري، لا بل أظن أنني لم أكن مخيراً فالكل هنا على خشبة المسرح يؤدي أدواراً درامية، رغم اختلاف الألوان واللغات، أتسائل مع نفسي (هل كلنا نعيش نفس الدور ؟ لما هذا التشابه هذا التقارب؟ أين الإختلاف في هذه المسرحية؟)، وبعد الإشارة بالبدء أستثي بعض أنفاسي ثم أبدأ بتأدية الدور الذي يشبه تلك الأدوار، فبدأت بالصياح قائلاً (أنا سعيد)، لم تكن تلك كلماتي أقسم لكم بذلك، ولكن التصفيق الحار من تلك الجماهير التعيسة جعلني أضيف في المرة الثانية (أنا أسعد إنسان هنا)، أنا مستعد للقسم للمرة الثانية بأن تلك لم تكن كلماتي، ولكن التصفيق الحار كان مغرياً جداً، بعدها حدث شيء غريب! شيء جعل كل تلك الجماهير التعيسة تزمجر غاضبةً في وجهي، فتسائلت مع نفسي (هل لأنني بكيت؟ ما هذا أليس الكل هنا يؤدي أدواراً مأساوية؟) الدور المأساوي كان هو دوري الحقيقي. وفي تلك اللحظة التي بدا فيها الجمهور غاضبا، صعد أحد المخرجين إلي المسرح وانطلق نحوي مهرولاً وعندما أدركني همس في أذني قائلاً:(أنت شخص موهوب! كنت أعلم ذلك، عليك أيها الشاب أن تعيد ذلك المشهد) سألته باستغراب (أي مشهد؟)، فقال متحمساً (ذلك الذي كنت تقول فيه أنا سعيد، فهذا الجمهور لم نسمع له تصفيقاً حاراً كهذا من قبل). يا ويلي! هكذا قلتها بكل دهشة تمكنت من إيقاف تلك الدموع إلي الأبد، فقلت صارخاً ودون وعيٍ مني: (أنا سعيد جداً وبدأت بالضحك وترديد عبارة أنا سعيد)، ويا للعجب! ويا للهول! من هذا المنظر، فكل من في المسرح بمن فيهم الممثلون يصفقون ويهتفون. مسرحية غريبةٌ فعلاً، حيث كنت فيها أنا أدعي السعادة من أجل إسعاد الآخرين، هذا دوري الذي اكتشفت أنني أجيده بكل تفاصيله. ولكن أنا! من يمكنه إسعادي؟ ومن يمكنه أن يعيد لي أجمل ذكرياتي في ذلك الماضي؟ من يمكنه ولو لمرةٍ واحدةٍ أن يأخذ عني هذا الدور الذي مللته.

#محمدالحافظ_كمال 
#مدونة_شكندرة

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

صوت الناشر يحاور دار اسكرايب للنشر والتوزيع ومديرها العام يوسف حسين

حوار مدونة شكندرة مع مدير دار اسكرايب للنشر والتوزيع، الأستاذ الكاتب الروائي يوسف حسين. أولًا: عن التجربة الروائية والشخصية 1- كيف بدأت رحلت...