الثلاثاء، 23 يونيو 2020

حياة ثانية









طَالما أحببتُ السيرَ في الطُرقاتِ أنظرُ في أعينِ العابرين، أرى أعينًا مكسورةَ تنطقُ عن أصحابِها وجهٌ شابٍ قد شاب بهِ قبل أوانِه، وهناكَ إمراه تضحكُ؛ تنظر في صورةٍ تحملها في يديها تقبلها، وتضمها إلى صدرها، طالما تمنيتُ أن أستمع إلى قِصصِهم وأن أعلمَ ما يشغلُ بالهم، وفي ذاتِ يومٍ مِن أيامِ حيرتي وضياعِي سمعتُ صوتًا أعلمهُ جِدًا، وأحبهُ أكثر، كان الصوتُ بعيدٌ وحزين، ثم أخذ يقتربُ أكثر فأكثر، كان صُراخًا بل أشبهُ بالنواح، بكاءُ فقدٍ وشوق، يا إلهي إنها أمي! ما الذي يبكيها رحتُ أركضُ أتبعُ الصوتَ حتى وجدتُها، جاثيةً على رُكبتيها وتنوح، و كان أخي مِن خلفها، يضع يدهُ اليسرى على كتِفها وبيدهِ اليمنى يداري دمعهُ، بكيت لحالهم ورحتُ أسأل ما الذي يجري، لا أحد يجيب، أذهب لأخي أتوسلُ إليهِ كي يُجِبني دون جدوى، قُرعَ البابُ بشدةً، ذهبَ أخي ليفتحهُ، إذا بِأُختي تقعُ باكيةً تبكي وتردد اسمي، أقول لها نعم أنا هنا، ما زالت تنوح وتكرره بِحرقٍ ووجع، صَرَخت بأعلى ما يمكن ُ لبشرٍ أن يصرخ، لم يسمعني أحد وكأنني غير موجودة، وكأنني اختفيت، ذهبتُ أجول البيتَ علِّي أجِدُ من يسمعُني ويخبرني لما الجميعُ يبكي، لتصدمني مرأتي التي في آخِر الرواق، وقفتُ فيها فلم أَجدني، لا أحد تحسستُ وجهي بكلتا يداي، أنا هنا أنا موجودة، أعودُ لعائلتي فأسمعهم يقولونَ رحلت ريحانةُ الدار ماتت عصفورةُ البيت، مت؟ يا إلهي ماذا حدث كل ما أتذكرهُ أنني كنتُ أسيرُ في الطرقات مهلَا لحظة تذكرتُ ذاك السائق الأرعن صدمني بسيارتِه يبدوا أنني فارقُتُ الحياةَ هناك، مات جسدي وبقيت روحيَ طافية لابُدَ وأن أجدَ جسدًا آخر، وأن أكون بالقربِ من أمي طالما تمنيتُ أن أكونَ عُصفورًا يُحلِّق، أو قطرة مطرٍ خالفت سِربها في الهطول، أو شجرةً خالِدةً أعيشُ مِئات السنين، بينما أنا أُكرُ وأفكر بأي شكلٍ سأكون تذكرتُ أمنيتيَ الأولى ووجوهُ العابرين ضحكاتِهم وانكساراتِهم ثم قررتُ أن أكونَ كُرسيًا خشبيًا في حديقةِ عامة، بالقُربِ مِن شجرةٍ خالدةً وخوليَ العصافير أيضَا، تخلقُ تبحثُ عن قوتها وتعودُ إلى الشجرةِ لترتاح، حققتُ حلميَ أصبح العابرون يجلسونَ فوقي، وتحقق حُلمي أصبحتُ أسمعُ قِصصهُم، بعضُهم كان يتحدثُ في الهاتِف لصدِيقٍ لهم، والبعضُ الآخر وحيد يشكو إلى الشجرةِ، لا يريدُ مِنها جوابًا بل أن تنصت، وكنتُ أستمع. وفي يومٍ من الأيام أتت امرأة شديدة الجمال في ثيابِ سوداء وخِمارٍ أسود جلست وأصبحت تبكي أعلمُ ذلك الصوتْ إنها أمي، خرجت لتستنشقَ الهواء وقالت لصديقتها على الهاتف: أتيتُ مكانها المضل كانت تُحب الجلوس والاستمتاع، وختمت بشوقها إليَّ، يا الله كم تمنيتُ لو أمكنني أن أنطق يا الله كم تمنيتُ لو لي أذرع، فأضمها لصدري وأخبرها أن لا تجزع، نهضت أمي من فوقي وذهبت، أراها وهي تبتعد ولا أستطيع اللحاقَ بِها ولا أن أقول أنني هنا، أراقبها حتى اختفت عنِ الأنظار، لم تَكن وحدها من غادر الجميع أيضا كان يغادر تعجبت من فعلهم حتى رأيتُ حارسَ الحديقةِ يصيحُ بانتهاء الزمن، حلَّ الليلُ وسكونُه المخيف، وبردُه القاسيَ الذي لا يرحم، وظلامُةُ الدَّامِس، كسوادِ نوايا الحاقِدين، أغلقتُ غينايَ كي أغفو وأنسى ما رأيت، دعوتُ أن يأتِ النهارُ سريعَا، ومضتِ الساعاتُ وأتى الصباح، لكن حدثَ ما لم يَكُن بالحُسبان، فتحتُ عينايَ لأرى جسدًا ممدًدا في سرير، على يساري جهازٌ يخبرهم أن قلبي يعمل وعلى يميني ممرضةُ تغيرُ الدواء، وأمي نائمةُ على كرسيٍ على بعدِ خطوتٍ من سريرِي، تقتربُ مِنيَ الممرضة وهيَ تبتسمُ وتقول: الحمد للهِ على سلامتُكِ، وتستيقظُ أمي من صوتها تقبلُ جبيني وتحمد الله، يطرقُ الباب شخصٌ غريب يعلو ملامحهُ الندم، تخبرهُ أمي أن يتفضل، ثم قالت لي: بنيتي هذا السائِق الذي صدمكِ بسيارتِه واسرعَ بكِ إلى المشفى لإنقاذك، يومانِ وأنتِ يا حلوتِي في غيبوبةٍ، لم يرد الذهاب حتى يطمئن عليكِ، توقفها الممرضةُ بأن عليَّ أن أرتاح على أن نواصل حديثنا لاحِقا، الحمد لك يا الله إذ منحتني أيامًا أخرى أضمُ فيها أمي وأبرها أكثر.    


#هبة_النور
#مدونة_شكندرة

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

صوت الناشر يحاور دار اسكرايب للنشر والتوزيع ومديرها العام يوسف حسين

حوار مدونة شكندرة مع مدير دار اسكرايب للنشر والتوزيع، الأستاذ الكاتب الروائي يوسف حسين. أولًا: عن التجربة الروائية والشخصية 1- كيف بدأت رحلت...