الأربعاء، 17 يونيو 2020

لم يكن يومًا عاديًا








لم يكن يعلم أن هذا اليوم سيكون نقطة تحول في حياته بهذا الشكل، وكأن ما حدث غير كل شيء فيها 180 درجة، كان الوقت ظهراً وهواء الخريف يحرك ورق الشجر فيتساقط متراقصا بين خيوط الشمس الواهنة.
دار حول سور الجامعة دورتين، وأخذ يزرع الرصيف جيئةً وذهاباً، فجأة وقع بصره عليها أتت ترتدي الطقم السماوي الفاتح الأنيق، ترفع خصلات شعرها بقرنفلة حمراء، وقد انتهت من التسجيل الجامعي، أمالت رأسها كزنبقةٍ سلمت عليه صافحها بحرارة بادية، وتشابكت ذراعيهما، "تأخرتي كثيراً، نفذ صبري وأوشكت أن أفل" 
ابتسمت بفرح كعصفورةٍ بللها المطر وقالت محدقة بعينيه:
"والآن أنت مبسوط ومرتاح"
قال: لامساً يدها برقة: جداً"
أحست بصدق كلمته وهي تتأمل فتاة توصوص إليهما وتحتويهما بنظرها، همس: لا تنظري إلى الفتاة هكذا إنها صغيرة وحلوة سوف ترتبك منك.
رفعت حاجبيها معاتبة: "وحلوة وماذا تفعل التي بجانبك إذن"

فلتت منه ضحكة مكبوتة وقال: أنت عالم آخر من الجمال والجاذبية.
انفرجت شفتاها عن ابتسامة عذبة وانداح صوتها رقيقاً: ولم لا تنجذب لكلامي ونسافر، كل الناس تعود مليئة الجيوب. 
شد ذراعها قائلاً: "تفكرين كثيراً في السفر وتبديل الجو مع أن الجو غائم"
تجيبه بحدة: لما تسخر كن واقعياً، ضع عينك في عيني، كفى خمس سنوات من الخطوبة (يهز رأسه صامتاً) 
كانت السيارات تمر بهدوء بين طلاب الثانوية وهم يتحدثون عن ثياب العيد فيثيرون لغطاً كعصافير الربيع، فجأة يقف بوجهه صديق الدراسة سعيد لم يراه منذ سنوات.
- سلامات باش مهندس ابن الحلال عند ذكره يبان بشرفي ذكرناك ليلة عيد الميلاد وضحكنا أنا وسمر ورولا على أيامك السوداء حتى طقت خواصرنا.
- يرد فؤاد: القلوب عند بعضها. 
(بينما يتحفز سؤال خفي في ذاكرة رندة هل حكى لها يوماً عن سمر ورولا) يتابع سعيد إن شاء الله فعلتها. 
- يرد فؤاد: صار الزواج كالحلم، خطيبتي رندة سنة أخيرة كلية التمريض.
يقاطعه: تشرفنا فرع ممتاز وإنساني رائع تشكره رندة بينما يتابع سعيد بأريحية: لكن متى خطبت 
- يرد فؤاد بإلفة: كانت أسرع من تسلق الهندباء لم يسمح لي الوقت بدعوة أحد 
- يرد ضاحكاً: الحق على الوقت بسيطة تعزمنا في الزواج ونجلب لك هدية مبروك سلفاً. 

_يضحكوا جميعاً، يتبادلان أرقام الجوالات ثم يغادروا


- تتنفس رندة الصعداء وتعلق:ياسلام مافي كلفة
- يرد: إنه منحوس أفندي ابن صفي وحارتي أيام الشيطنة، لا يكف عن المزاح مع أنه سيئ الحظ، لم يوفق بسفر ولم يستطع أن يجني شيء بسبب زوجة أبيه، صحيح أن أبوه رجل عصبي مع الجيران لكن في البيت لا يؤشر بإصبعه، والآن ينتظر قرضاً للزواج.
كان فؤاد يتكلم والشمس تلملم بقايا جدائلها المنثورة بفوضوية على صفحة السماء، فتحت رندة حقيبتها ففاحت منها رائحة الزعتر البري أعطته إياها قائلةً: ومع أن قلبك مع أيام الصبا، ضم يده إلى يدها لثمها على عجلة، ابتسمت بنشوةٍ وقد احمرت وجنتاها خجلاً: ليس في الشارع. 
قال لها: في الشارع والحديقة وفي كل مكان، أحست برعشة دافئة بين خلايا جسدها وحب واندفاع، كأن تمشي بلا نهاية في الجو البارد الدافئ، اقترح عليها ممازحاً: مارأيك في إطالة المشوار
نظرت إليه ضاحكة: وأمي والفطائر التي خبزتها من أجلك. 
أجاب ببرود: كنت أمزح لا تعصبي وتقرصين يدي بشدة لقد احمرت هل يعجبك احمرارها؟
لوت عنقها قائلة":تستاهل.
بدت الشوارع خالية وهم ينعطفون إلى مدخل الحارة، وبرودة الجو تتبعثر في كل مكان، يقفان أمام واجهة أحدى المحلات التي تعرض أشجار الميلاد الملونة وهدايا للعيد، تمسح الزجاج بيدها وتشير إلى دمية قائلةً: بنت صغيرة تجنن.

يبتسم ساخرا ": الأيام قادمة وتنجبين أجمل منها.
تطلعت إليه معاتبة وقد قالت: متى؟! 

يرد ببرود: عندما نستلم الشقة الجديدة في السكن الشبابي وعندما أحصل على قرض الزواج والتسليف وعندما تتخرجين و...و....و....وتفر .

تقاطعه: وعندما نشتري الغسالة والبراد و... 
كانت عيونهما مليئة بالسرور والحيوية والفرح. 
همس بأذنها وقد اقتربا من البيت: الحب ينتظرك على شباك قلبي 
سرت رعشة دافئة كرعشة الحلم 
همست بصوت خفيض: الفطائر تنتظرك وأمي أيضاً.
فجأة وحالما يقفان لعبور إحدى السيارات، ينتصب أمامهم مذيع إحدى قنوات التلفزيونية، يسألهم سؤال المسابقة، وحالما تجيب، يصرخ المذيع: برافو لقد ربحتم مليون دولار من مسابقة حلم المليون، ألف ألف مبارك
لقد أصابهما ذهولًا وصدمةً ودهشة، ووقفا يتأملان فرحة المذيع، لم يكن يوما عاديا. 





#أسامة_اليوسف

#مدونة_شكندرة


هناك تعليق واحد:

صوت الناشر يحاور دار اسكرايب للنشر والتوزيع ومديرها العام يوسف حسين

حوار مدونة شكندرة مع مدير دار اسكرايب للنشر والتوزيع، الأستاذ الكاتب الروائي يوسف حسين. أولًا: عن التجربة الروائية والشخصية 1- كيف بدأت رحلت...