لا أدري ماعلاقَةُ تلك السنواتِ العِشرينيةِ الفتيةٍ، بسنواتِكَ الأربعينَ الحاليةِ، لكنْ ما أثِقُ فيهِ، هو أنك الآنَ صبيٌ أهوَج بشعرٍ أبيض.
لقد اختَلَفتَ عنكَ كثيرًا ياصديقي، فقد طفَت ملامِحُكَ الأُخرى على السطح، نَمَت عِندَكَ مهارةُ التجاهُلِ وتعاظمَت غريزةُ الاستشعار في آنٍ واحد!
لم يعُد يَعنيك الكثيرَ من الأشياءِ.
لن يُخيفُك المُرعِبُ بها
لن يُبهِرُكَ العظِيمُ فيها
وبِتَّ تُقَدِر حتمًا الكثيرَ الكثير من سفَاسِفِها بحكمةٍ؛
ممتنٌ أنت جدًا، لرشةِ العطرِ التي تهَبُك الوجودَ كلَ صباحٍ، تستَنشِقُ رئتاك رائحةَ الورقِ الأصفَر بكلِ حميميةٍ، تدُس أنفَك كلَ حينٍ بذلك الكتابِ الذي يصنَع لك كينونتكَ الخاصةَ بعيدًا عنهم، ترتدي ساعةَ يدِكَ بشكلٍ مختلِف، وربما ستُقدسُ أيضًا تلك الشاشةِ المعلقةِ على حائطِكَ، ليس لأنها تُدهِشُك، بل لأنها تُضحِكُك، فقد استهلَكْتَ كلَ ادواتِ التعجبِ قبلًا؛
لا تشعرُ بإحتياجِكَ إلا لرفيقٍ واحدٍ، يستوعِبُ وعيَك بأناقةٍ، ويسلُبُك إياهُ متى ماداهَمَتك لحَظاتُ الطُفولَةِ المُفرَطةِ، يُشاركُكَ كلَ دهاليزِ عقلِك، وأزِقةِ وجدانِكَ اللّولبِيِّ الأصِير، هو فقط من يستطيعُ الوصولَ الى الأرصِفةِ المهجورةِ بداخلِكَ منذُ وُجِدت، يجتاحُها بثقةٍ، فيُقَلِّبُ فيها حتى يعثرَ على تلك الكومةِ من الأرقِ والتَوجُّسِ، يُداعِبُها بخفةٍ، ويُحَوّرُها برفق إلى بعضِ تِلكُم الأشياءَ القديمةِ أللا مباليةِ، فيُسقِطُها بِمهارته التي تعشَقُها، كخرقةٍ مُهملةٍ مُلقاةٍ على طريقٍ مهجورٍ، لايَسترعِي وُجودَها أحدٌ من المارة.
رفيقٌ يستوعِبُ تقمّصَكَ لأزمِنَةِ الصمتِ، يؤهِلُك لِفترَةِ الحصادِ، يُلقي على عينَيكَ نظرةَ الرضا، ويُشَكِّلُ شفتيكَ على هيئةِ نِصفِ إبتسامةٍ، ثم يَمضي.
رفيقٌ واحد لطيفٌ، انه في الغالبِ فُنجانُ قهوةٍ، كوبَ شاي، أغنيةُ إنتعَشَتْ بها ذاكرتُك المهترِأة، لحظةَ يقينٍ، أو رُبما...
كان أنت.
#ميسون_مسند
#مدونة_شكندرة

ما أبهى ما تكتبين♥️
ردحذف