
إنها من المرات القليلة، ولنقل من النادرة جداً، التي لا أظن بأنها سوف تتكرر كثيراً ولكنني أتمنى؛ والتي تسنّى لي أن أرى فيها منظر الشوارع والحياة بعد هطول الأمطار، فغالباً ما كنت اتدثر بدفء المنزل اللذيذ غير مباليةٍ ولا آبهة بالأجواء في الخارج، لا أخفي أنني لطالما كنت أشعر بلهفة دفينة لرؤية كيف تكون أحوال الناس والعالم في الخارج في مثل هذه الأجواء، لنعد إلى المهم والذي أردت أن أحدِّث به، لقد هطلت الأمطار هذه المرة و أنا في الخارج، نعم هذه المرة أتيحت لي الفرصة لأكون مع أناس الخارج الغامض بالنسبة لي، احتميت بشجرةٍ كانت كثافة أوراقها تقيني من قطرات المطر الكثيف، ولحسن الحظ لم تهطل الأمطار إلا لهنيهات قليلة.
و فجأة تلفتتُ حولي فإذا و كأن سحراً قد ألقي على المكان، لا بل عليّ أيضاً، لقد كان كل ما حولي ينضح وينبض بالحياة، و أكاد أجزم قطعاً لكأنني أسمع الأرض من تحتي تتنفس، وأتحسس الأشجار من فوقها تُلِّوح لي، وقع بصري أخيراً على صخرة صماء جرداء، كانت بقرب الشجرة التي احتميت بها قبل برهة من المطر، قطرات رذاذ الأمطار التي تشكلت على جنباتها بشكل فتان؛ وقد كانت تلمع و تتوهج مع بصيص الضوء الذي بدأت الشمس تطلقه رويداً رويداً من بين ثغرات الغيوم التي بدأت بالانسحاب لتفسح للشمس مكانها في السماء. لقد شدّني المنظر، لا أدري لو كنت في غير الزمان و المكان لما كنت لآبه به ..ربما، لكن لا! في تلك اللحظة الخاصة تملّكتني شاعرية و فلسفة غريبة؛ فجأةً أحسست بروعة الطبيعة وما حولي، واصلت تأملي لتلك الجوهرة القابعة بقربي، وراقبت بهدوء القطرات و هي تتعاون و تتداخل فيما بينها لكي تصل إلى الأرض لتشارك في ارتوائها،والسريع منها يسقط لوحده سقطة مشرفة على الأرض المبتلة، كسقطة جندي في أرض المعركة، فخوراً لازهاق روحه من أجل هدفٍ نبيلٍ، و بعد برهة ازداد انبلاج الشمس وأصبحت الصخرة، الجلمودة الصامدة في وجه الزمان، ليس عليها أي بواقي أو آثار من تلك القطرات التي كانت تتزاحم من فوقها قبل لحظات، و غدت مرآة مصقولة، وعندما أكتمل أخيراً مرأى الشمس في السماء أفلتتُ من شباك تفكيري المباغتة تلك، وقررت المضيّ قدماً في طريقي، حاملة معي ذهولي، تأثري و انفعالي بهذه الرحلة المباغتة القصيرة، وغير المتوقعة بتاتاً، لكن المرحب بها لأقصى الحدود، والتي نقشت عميقاً في دواخلي أسمى وأنبل اللوحات، وعزمت على أخذها كنسخة معي و حفظها والتزود كل حين من نبعها و مددها الذي أفاضت منه علي الكثير.
ولم أجد كلاما يعبَّر عما في داخلي في ذلك الحين، أكثر من قولي:
سبحان الله!
ومضيت..
#نهال_عماد
#مدونة_شكندرة
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق