الأحد، 31 أغسطس 2025

حوار شكندرة مع الكاتبة أزهار حافظ عباس

 



شكندرة تحاور الكاتبة أزهار حافظ عباس


البدايات والبيئة الأدبية


متى أدركتِ أن الكتابة ليست مجرد فعلٍ عابر، بل قَدَر يرافقكِ حيثما كنتِ؟
أدركتُ أن الكتابة قدري حين وجدتني أكتب لأتنفّس، وأصمتُ كي أسمع صوتي في الورق.

 

كيف كان لوالدكِ الشاعر أثرٌ في إشعال شرارة الكتابة داخلكِ؟ وهل كان حضوره دافعًا أم عبئًا يتطلّب تجاوزه؟
أنا والدي، ووالدي هو أنا.
حافظ عباس هو العنصر الأساسي في تكوين شخصيتي الأدبية والفكرية.
حافظ عباس بالنسبة لي كان الشرارة، لا عبئًا؛ منحني الإرث وترك لي حرية إشعاله بطريقتي.

 

حين تعودين بذاكرتكِ إلى طفولتكِ، هل كان في البيت ركنٌ خاص بالكلمات والكتب؟
البيت كان ركنًا مليئًا بالكتب. رائحة الورق أوّل ذاكرة للطمأنينة. أذكر جيدًا كيف كانت غرفتي مليئة بالأوراق والكتب، كانت بيئتي أدبية بامتياز.

 

هل تشعرين أن الوراثة الشعرية انسيابٌ خفيّ في دمكِ، أم أن الكتابة اختياركِ الخاص رغم جذوركِ الشعرية؟
الكتابة ليست وراثة فقط، هي خياري الواعي لأبني ذاتي كامرأة تكتب من دمها لا من دم غيرها.
لكنني لا أنكر مدى تأثري وتطبّعي بالأدب عامة، كما أنني ابنة عائلة أدبية عريقة.

 

القراءة وتكوين الذات

 

أيُّ الكتب فتحت لكِ باب الدهشة الأولى، وأشعرتكِ أن النصوص يمكن أن تغيّر مصير قارئها؟
أول دهشة كانت مع الشعر العربي القديم، وأنا محبّة جدًّا لأشعار المتنبي ومحمود درويش وغيرهم من الشعراء الذين لامستُ في أحرفهم ذاتي. شعرتُ أن النص يغيّر مصير قارئه كما يغيّر مصير كاتبه.

 

كيف تعلّمتِ الإصغاء إلى النصوص بحيث تتنفسينها قبل أن تكتبيها؟
تعلّمتُ الإصغاء للنصوص كما تُصغي امرأة لنداء جسدها، ببطءٍ ووعيٍ كامل.

 

هل القراءة بالنسبة لكِ فعلُ عزلةٍ أم وسيلة لبناء جسور مع العالم؟
القراءة عندي عزلة تصنع جسورًا، وغربة تلد وطنًا.

 

أيُّهما يمنحكِ سكينةً أعمق: كتابة نص يشبهكِ، أم قراءة نص يشبهكِ لم يكتبه أحد غيركِ؟
أجد سكينةً أكبر في نص كتبته، لأنه يشبهني ويشهد أنني مررتُ من هنا.

 

هوية الكتابة والتجريب

 

كتابكِ يحمل نصوصًا بين الشعر والسرد، كيف تنظرين إلى هذا التداخل؟ هل هو بحث عن هوية أم تحرّر من التصنيف؟
التداخل بين الشعر والسرد تحرّر من التصنيف، الكتابة لا تُحب الأقفاص.

 

عندما تكتبين، هل تفكرين في القارئ الذي سيأتي بعدكِ، أم تكتبين لنفسكِ أولًا؟
أكتب أوّلًا لي، ثم أترك للقارئ أن يكتشف نفسه في مرآتي.

 

هل ترين أن الكاتب الشاب مُطالب بتحديد اتجاه أدبي، أم أن الكتابة تحتمل هذا التعدد الطليق؟
التعدد أجمل من القوالب، الكاتب الشاب ليس مُطالبًا إلا أن يجرؤ على الحلم.

 

النشر والمبادرة

 

كيف وُلد قراركِ بنشر همس بصدري وقد تسمعون؟ وهل شعرتِ أنكِ تقدّمين قطعةً منكِ للعالم؟
قراري بالنشر كان ولادة متعبة، لكن بدعم ومساعدة والدي وعمّي أعطيتُ العالم قطعةً من روحي.

 

ما الدور الذي لعبته المبادرة التي نشرت لكِ كتابكِ في فتح أبواب النشر؟ وكيف يمكن لبقية الكتّاب أن يسلكوا الطريق نفسه؟
مبادرة مندي لثقافة السلام وإدارة التنوع (بساتين المعرفة) بإشراف وتنسيق الدكتورة إشراقة مصطفى فتحت الباب، وأثبتت أن الحلم يستحق المخاطرة.
على الشابات والشباب من الكتّاب أن يؤمنوا بأنفسهم وبحلمهم حتى تفتح لهم الحياة أبوابها ليحلّقوا بعيدًا.

 

هل وجدتِ نفسكِ بين فرحة النشر وقلق التلقي؟ وأيهما أثقل؟
القلق أثقل من الفرح، لكن القلق دليل أن النص حيّ.

 

ما أصعب ما يواجهه الكاتب حين يدخل تجربة النشر الأولى بلا سابقةٍ ولا سند؟
أصعب ما في النشر الأول هو الوحدة، أن تمشي بلا خريطةٍ ولا رفيق.

 

الحرب وظلالها

 

إلى أي مدى شكّل أدب الحرب مادةً صامتة أو صاخبة في نصوصكِ؟ 
الحرب تسكن نصوصي كصوتٍ صامت يصرخ من الداخل.

 

هل كانت الحرب بالنسبة لكِ عدوًا يسلب الكلمة، أم سببًا يولّدها؟
الحرب بالنسبة لي كانت عدوًّا وصديقًا، تسلب وتُنجب الكلمة معًا.

 

لو قُيّض لكِ أن تحملي شيئًا واحدًا من بيتكِ ساعة الخروج من شدّة الحرب، ماذا سيكون؟ ولماذا؟
لو خرجتُ من بيتي تحت القصف، لحملتُ دفتري… لأنه بيتي الحقيقي.

 

هل تشعرين أن النصوص يمكن أن تُرمّم الخراب، أم أن الكتابة مجرد محاولة لالتقاط صدى الفقد؟
النصوص لا ترمّم الخراب، لكنها تمنحه معنى فلا يبتلعنا صامتًا.

 

الكاتب السوداني الشاب

 

كيف ترين صورة الكاتب السوداني الشاب في مشهد النشر العربي اليوم؟
الكاتب السوداني الشاب حاضر بعناد، رغم أن الطريق مليء بالحواجز.

 

هل تعتقدين أن ثمة خصوصية للنص السوداني تميّزه عن غيره، أم أن الأدب يتخطى الحدود؟
النص السوداني يحمل خصوصية ثقافته والنيل، لكنه يفيض على حدود الجغرافيا.

 

ما أحلامكِ للجيل الجديد من الكتّاب السودانيين؟ وكيف تتصورين موقعهم بعد عقد من الزمن؟
أحلم بجيل يكتب بلا خوف، جيل تُقرأ أصواته في العالم بعد عقد من الآن.

 

المنصات الرقمية ودورها

 

هل المنصات الأدبية الرقمية منابر حقيقية للكتابة، أم أنها مجرد أصداء تتلاشى في الضجيج؟
المنصات الرقمية منابر، لكنها قد تتحوّل إلى صدى فارغ إن لم نحمل صوتًا حقيقيًا.

 

ما الذي يمكن أن يفعله الكاتب الشاب ليستثمر هذه المنصات دون أن يقع في فخ الامتلاء الأجوف؟
على الكاتب أن يكتب بصدق، فالامتلاء الأجوف يُفضَح سريعًا.

 

دور النشر والعقود

 

لو تعاقدتِ مباشرة مع دار نشر في المستقبل، ما البنود التي ستصرّين على وجودها؟
سأصرّ على بنود تحفظ حقي ككاتبة: حرية النص وكرامة المؤلف.

 

ما الذي تفتقدينه في تعامل دور النشر العربية مع الكتّاب الشباب؟
نفتقد الاحتضان الحقيقي للكاتب الشاب، لا مجرد استغلال اسمه.

 

هل ترين أن الكاتب بحاجة إلى دار نشر، أم أن الكتابة وحدها كفيلة بأن تجد طريقها للقارئ؟
دار النشر جسر، لكن الكلمة دائمًا تعرف طريقها، حتى لو عبرت وحدها.

 

القلم النسائي والذكاء الاصطناعي

 

كيف تصفين الحضور النسائي السوداني في ساحة الأدب والمعارض؟
الحضور النسائي السوداني يتصاعد ببطء، لكنه جريء كصوتٍ في عاصفة.

 

ما الذي يميّز صوت المرأة الكاتبة؟ وهل هو حضور مغاير أم امتداد للصوت الإنساني؟
صوت المرأة الكاتبة مغاير لأنه يقول ما لم يُسمَع من قبل، ويكتب عن المسكوت عنه.

 

في زمن الذكاء الاصطناعي، هل تخشين أن تفقد الكتابة حرارتها الإنسانية؟ أم أن القلم سيبقى عصيًا على التبديل؟
الذكاء الاصطناعي قد يُقلّد، لكنه لا يستطيع أن يكتب بحرارة الجسد والجرح.

 

الرؤية والمشروع

 

في نهاية هذا الطريق، ما المشروع الإنساني والكتابي الذي تحلمين أن يُنسب إلى أزهار حافظ، ويظل شاهدًا على رحلتكِ؟ وهل تتمنين أن يكون صوتكِ امتدادًا لهمسٍ شخصيٍّ عابر، أم صدى جماعي يتردّد في ذاكرة جيلٍ بأكمله؟
مشروعي أن أترك أثرًا إنسانيًا ونسويًا يشهد أنني عشتُ ككاتبة تُدافع عن المرأة وتكتب عن الفقد والحلم والمنفى.
أريد أن يكون صوتي صدى جماعيًا يتردّد في ذاكرة جيلٍ بأكمله.




 






شكندرة تشكر الكاتبة أزهار حافظ وتتمنى لها مزيدًا من الألق، نأمل أن نلتقيها في أفق آخر بروايات وقصص وقوافي ساحرة وأشرعة شِعر حُرة، لا تحدها الأزمنة ولا الجغرافيا.




الثلاثاء، 26 أغسطس 2025

حوار شكندرة مع الكاتب والقاص سايمون اتير

شكندرة تحاور الكاتب والقاص سايمون أتير 

المحور الأول: البدايات والرحلة مع الكتابة


س1: كيف تصف لحظة اكتشافك الأولى لعلاقة نفسك بالكتابة؟


ج: كانت الكتابة بالنسبة لي منذ البداية أشبه بباب صغير انفتح على اتساع الكون. لم أبدأها كخيار واعٍ بقدر ما كانت حاجة داخلية، كأنني أفرغ هموم الروح على الورق. كنت أكتب لأفهم نفسي، لأتصالح مع الأسئلة التي لا يجيب عنها أحد. كيف قُتل أبي، ولماذا؟ كان هذا هو السؤال الأكثر إلحاحًا الذي أردت الحصول على إجابته! لذلك كل جملة كتبتها في البدء كانت محاولة مني لالتقاط الإجابة من الهواء قبل أن يتبخر.


أما لحظة اكتشاف نفسي كمحب للأدب أولًا ثم كاتب لاحقًا، فلم تكن على ورق، بل كانت على لسان جدتي، "أم والدي". فقد كانت حكّاءة عظيمة، تجري على لسانها الحكايات مثل جريان "نهر السوباط". لم تكن مجرد جدة تقصّ حكايات لتسلية حفيدها الأول؛ بل كانت أشبه بـ"مكتبة حية"، تحتشد في صدرها مرويات لا تنتهي. من مروياتها تلك بدأت تتشكل أول بذور الكتابة الأدبية في داخلي، لذلك كانت كتاباتي الباكرة انعكاسًا لتلك الحكايات.


س2: هل تذكر متى كتبت أول نص، وما الذي دفعك لكتابته؟


ج: وأنا في بداية شبابي، كتبت رسالة عاطفية –إن اعتبرناها نصًا– سكبت فيها ذخيرتي اللغوية المحدودة حينها. كنت مدفوعًا ببراءة وعفوية، بل بسذاجة "الحب الأول"، لذلك أعطيت الرسالة لوالدة تلك "المحبوبة المفترضة"! وكانت تلك أحموقة كبيرة لم أسلم بسببها من التقريع.

ولكن أول نص أدبي كتبته بحق كان أقصوصة بعنوان "حُلم الأرنب"، وهي محاولة بدائية لتقليد/ترجمة إحدى حكايات جدتي التي كانت تسردها بلغة الدينكا. أردت بهذه القصة أن أنقذها من الغياب، أن أجعلها تعيش على الورق. لم يكن النص جميلاً بالمعنى الفني، لكنه كان صادقًا بما يكفي ليعلمني أن الكتابة ليست مجرد فعل، بل عهد مع الذاكرة.


س3: كيف أثرت دراستك للمحاماة على أسلوبك ولغتك الأدبية؟


ج: أعتقد أن المحاماة منحتني الانضباط اللغوي، والقدرة على تقديم الحجج وبناء النصوص بإحكام. ولكنني ممتن للأدب لأنه أنقذني من جفاف القانون. حاليًا أنا أعيش انفصامًا جميلاً؛ فهناك سايمون المحامي الذي يقيم البرهان مستخدمًا العقل، وهناك سايمون الكاتب الذي يطارد الشغف مستخدمًا العاطفة. وبالطبع الجمع بين الاثنين مباح.


س4: ما الفرق بين سايمون المحامي وسايمون الكاتب؟


ج: كما قلت، المحامي يحاور مستخدمًا العقل، والكاتب يحاور مستخدمًا الوجدان. الأول يسعى إلى إقناع القاضي، والثاني يحاول أن يوقظ القارئ. في القاعة ألبس روب المحاماة، وفي الكتابة أعود إلى طفولتي، إلى جبة جدتي ودفء صوتها، ومع ذلك لا أحس بفرق بين سايمون المحامي وسايمون الكاتب يشكلان سايمون الشخص. 


س5: هل ترى أن الأدب بالنسبة لك خلاص أم مسؤولية؟


ج: أراه الاثنين معًا؛ خلاص من قسوة الواقع وأوجاع الروح، ومسؤولية تجاه الذاكرة واللغة والهوية بل تجاه الإنسانية. أكتب لأتنفس، ولكن أيضًا لأترك أثرًا، حتى لو كان صغيرًا، في ذاكرة الآخرين.


المحور الثاني: أدب المراسلات والتجربة مع بوي جون


س6: كيف نشأت صداقتك مع الكاتب والطبيب بوي جون؟

ج: نشأت من المشتركات الإنسانية قبل الأدبية، فكلانا مصابان بحب الأمكنة، نسكنها وتسكننا، كما أننا نتشارك نفس الحلم: أن يسود السلام العالم. في الأدب بوي صديق يشبه نصوصه؛ عميق، وشفاف، وفيه شيء من الحكمة التي لا تُكتسب بالكتب بل بالحياة. وهذا ما أحبه في النصوص: العمق والصدق والشفافية.


س7: ما الذي دفعكما لاختيار "أدب المراسلات" كمساحة للتعبير؟


ج: الذي دفعنا لذلك أولا، هو البحث عن التقائية في زمن التكلف هذا، فأدب الرسائل أو أدب المراسلات بطبيعته صادق وعفوي. كنا نكتب بعضنا ولِبعضنا لا من أجل متعة الكتابة فقط، بل لنفتح نوافذ على أرواحنا. الكتابة في تلك اللحظة كانت مساحة صداقة قبل أن تكون أي شيء آخر.


س8: هل المراسلات بينكما كانت مشروعًا مقصودًا منذ البداية أم تحولت لاحقًا إلى كتاب؟


ج: لم تكن مشروعًا منذ البداية، ولم نكن نكتب تلك الرسائل لننشرها ورقيًا. لكن مع تراكمها، بدت وكأنها نص واحد طويل. لنجد أنفسنا أمام كتاب، أو للدقة "كُتيب"، مكتمل دون أن نقصد ذلك، فقررنا نشره.


س9: كيف كان التفاعل بين القاص الروائي (بوي جون) والقاص القصصي داخل هذا المشروع؟

ج: التفاعل كان مثل رقصة "الكُبولو". بوي يميل إلى السرد الممتد والروح الروائية، وأنا أميل إلى التكثيف واللمحة القصيرة. هذا التنوع خلق توازنًا جعل تلك المراسلات أشبه بتلك الرقصة الإيقائية الجميلة. 



س10: كتابكما يوصف بأنه "عن لا شيء عن كل شيء"؛ كيف تشرح هذه العبارة؟


ج: ببساطة لأنه لم يكن يتعمد الإمساك بموضوع بعينه. كتبنا منذ البداية بكل تلقائية عن الحياة كما هي: صغيرة وكبيرة، تافهة وعميقة، يومية وأبدية. لذلك هو عن "لا شيء" في الظاهر، لكنه عن "كل شيء" في الجوهر.


المحور الثالث: الكتابة كرحلة وتجربة


س11: ما أصعب ما واجهته في مسارك الكتابي حتى الآن؟

ج: أصعب ما واجهته هو انعدام الشغف في الكثير من الأوقات، أو لحظات العجز أمام الورق، حين أشعر أنني فقدت اللغة، أو أصابني ما يُعرف بمتلازمة الورقة البيضاء أو "سدة الكتابة" (Writer's Block).


س12: هل تكتب بخطة مسبقة أم تدع النص يأخذك حيث يشاء؟


ج: أترك النص يقودني. الخطة عندي تقتل الدهشة، فأنا منحاز إلى التلقائية، بل الفوضوية في بعض الأحيان.


س13: أيهما أكثر حضورًا في نصوصك: الذات أم العالم الخارجي؟


ج: الذات مرآة، والعالم الخارجي ظلّها. الاثنان يتداخلان فلا ينفصلان. ولكن الذات أكثر حضورًا في نصوصي.


س14: كيف تختار موضوعات نصوصك عادة؟


ج: لا أختارها، بل هي التي تختارني. أحيانًا كلمة صغيرة أو مشهد عابر أو حتى دهشة طفل رأى نفسه في المرآة لأول مرة يفتح أمامي نصًا كاملاً.


س15: هل تجد أن القصة القصيرة ما زالت قادرة على منافسة الرواية في زمن السرد الطويل؟


ج: نعم. القصة القصيرة مثل ومضة برق، تختصر ما قد تعجز عنه الرواية في صفحات. في الحقيقة هي ليست قادرة على منافسة الرواية فقط بل قادرة على تجاوزها بمسافة كبيرة كما كان في تسعينيات القرن الماضي. 



المحور الرابع: النشر والهوية


س16: كيف اخترت دار النشر التي أصدرت عملك الأول؟

ج: اخترتها بالحدس. شعرت أنها دار تفهم روحي أكثر من غيرها، ولكن بجانب الحدس كان لنقاشاتي السابقة أنا ومدير دار الموسوعة الصغيرة للنشر، الصديق الكاتب أحمد يعقوب من جانب، ونقاشاتي المتواصلة مع الصديق بوي جون من جانب آخر، عن هموم الكتابة والنشر والثقافة عمومًا، أثر في هذا الاختيار.


س17: ما الذي تبحث عنه في الناشر: الجانب المهني أم التقدير الأدبي؟


ج: كلاهما. أحتاج إلى المهنية في التعامل، لكنني أبحث أكثر عن ناشر يقرأني كإنسان لا كسلعة. بمعنى أن يكون الهم الأول هو نشر المعرفة لا بيع المعرفة.


س18: إلى أي مدى تهتم بقضايا الهوية والعادات والتقاليد في كتابتك؟


ج: هذه القضايا هي جوهر كتابتي. الهوية تفرض نفسها عليّ كما يفرض الظل وجوده على صاحبه. أنا أحمل الحكايات التي ورثتها عن جدتي، والأغاني التي سمعتها من الشيوخ، والطقوس التي تشكل وجدان الناس في قريتي. كل هذا ينساب إلى نصوصي دون قصد. أحيانًا أجد مثلاً شعبيًا يتسلل إلى قصة، أو صورة من ذاكرة جماعية تطلّ فجأة في سطر. يأتي اهتمامي بهذه القضايا لإيماني بأن الهوية تعطي للفرد عمقًا وانتماءً، وتجعله أكثر صدقًا في كتابته.


س19: هل ترى أن الكاتب ملزم بحمل ذاكرة الأمس معه دائمًا؟


ج: الذاكرة هي النبع الأول الذي تتدفق منه الحكايات. والأمس لا يزول، بل يظل يطلّ عبر الشخوص والأمكنة والرموز، والكاتب في جوهره امتداد لأصوات وتجارب الأمس. لذلك نعم، على الكاتب أن يحمل ذاكرة الأمس معه دائمًا، لكن بشرط أن يحملها لا كعبء، بل كمنارة.


س20: هل عانيت من صعوبة إيصال صوتك خارج الحدود الجغرافية؟


ج: نعم، عانيت، ولكن هي معاناة لها دواعيها. اللغة، والسياسة، والجغرافيا كلها حواجز. لكن في النهاية أنا أؤمن أن النص الجيد يجد طريقه خارج الحدود، ولو ببطء.


المحور الخامس: النصائح والأجيال الجديدة


س21: ما هي أهم نصيحة تقدمها للكتّاب من جيلك؟


ج: نصيحتي لهم: أن يكتبوا بصدق، لا ليرضوا ذوق القارئ العابر، ولا ليلحقوا موجة رائجة. فالكتابة ليست سباقًا ولا عرضًا مسرحيًا، بل فعل إيمان، حتى لو بدا بسيطًا أو غريبًا. فالنص الذي يولد من قلبٍ صادق يظلّ حيًّا مهما تغيّر الزمن.


س22: ماذا تقول للشباب الذين يريدون أن يكتبوا لكنهم يخشون الفشل؟


ج: الفشل جزء من عملية الكتابة. لا أحد يولد كاتبًا كاملاً.


س23: هل تؤمن بأن الموهبة وحدها تكفي، أم أن الصقل والتجريب أهم؟


ج: الموهبة بذرة، والتجريب هو الماء. بدون الماء تذبل البذرة.


س24: ما الكتاب أو الكاتب الذي ألهمك في بداياتك؟


ج: حكايات جدتي أولاً، ثم قراءات مبكرة في الأدب اللاتيني والروسي. ولكن إن أردت أن أختار كتابًا بعينه فسأختار "مقدمة ابن خلدون"، إن لم يكن لشمولية موضوعاته فبسبب أنه أول كتاب اشتريته بمالي في يفاعتي. أما الكاتب الذي ألهمني –في الحقيقة هم كُتاب– لذلك حتى لا أظلم أحدًا أو نفسي، سأختار شخصًا ليس بكاتب ولكن تأثيره لا يُضاهى؛ ذلك الشخص هو عم إبراهيم، بائع الكتب المستعملة، الذي فتح عيني لعالم الكتب. أنا مدين له بالمحبة مدى الحياة.


س25: كيف تقرأ اليوم كتجربة تتعلم منها وتغذي بها مشروعك الأدبي؟


ج: أقرأ كل ما يقع في يدي بحب، كمن ينصت إلى دقات قلب الكتاب. فالقراءة بالنسبة لي ليست من أجل المعلومات فقط، بل من أجل إشباع الروح ايضا.  


المحور السادس: الحاضر والمستقبل

س26: هل هناك مشروع جديد قيد النشر أو قيد الكتابة حاليًا؟

ج: نعم، أعمل على مشروعين مختلفين:

الأول رواية قصيرة "نوفيلا" أعود فيها إلى مطلع تسعينيات الحرب الأهلية، حين كان الموت أدنى من شراك النعل. هذه العودة ليست بغرض محاكمة التاريخ بل استنطاقه.

الثاني في الأنثروبولوجيا الثقافية، وهو عمل تعريفي أكثر منه دراسة تحليلية لـ"المُراح" كفضاء ثقافي.


س27: ما الذي تتمنى أن تضيفه كتبك القادمة للمكتبة الأدبية؟


ج: أتمنى أن يضيف ما كتبته وما سأكتبه في المستقبل صوتًا صادقًا، يمثل هموم الناس والمكان الذي أنتمي إليه، وأيضًا أن تقدم شيئًا مختلفًا.


س28: كيف ترى مستقبل القصة القصيرة في ظل هيمنة الرواية؟


ج: رغم تراجعها لصالح أجناس أدبية أخرى، خصوصًا الرواية، إلا أنني أراها مستمرة، لأنها مثل الشعر: مهما حدث، سيبقى مكانها محفوظًا. إن القصة القصيرة ستشتعل مرة أخرى مثل القناديل، هذه قناعتي.


س29: إلى أي مدى ترى نفسك ملتزمًا بمشروع أدبي طويل النفس؟


ج: الكتابة ليست محطة عابرة في حياتي، بل هي حياتي نفسها، ومع ذلك لا أرى نفسي ملتزمًا بمشروع أدبي طويل، لا لشيء سوى أنني أكره أن أسجن نفسي في إطار معين.


س30: إذا امتلكت دار نشر وأصبحت ناشرًا، فما رسالتك التي ستوجهها للكتاب والقراء؟


ج: سأقول للكتّاب: اكتبوا بلا خوف. وأقول للقراء: لا تبحثوا عن الجواب في الكتاب، بل عن الأسئلة التي توقظ أرواحكم.


المحور السابع: المنصات الأدبية والرسالة العامة


س31: كيف تقيّم دور المنصات الأدبية الرقمية التي تتيح الفرصة للمواهب الشابة؟ وما محاسنها ومساوئها؟


ج: هي سلاح ذو حدين. تمنح الشباب فرصة لعرض أصواتهم، لكنها في الوقت نفسه قد تخلق ضجيجًا يغطي على الأصوات الأصيلة. ولكن أعتقد ان دورها مهم جداً خصوصا في هذا العصر الذي يتسم بالسرعة بل التسارع. 


س32: ما هي رسالتك الأخيرة للقارئ الذي يفتح كتابك لأول مرة؟

ج: رسالتي بسيطة: لا تقرأني ككاتب بعيد، بل كرفيق يجلس بقربك. اعتبر نصوصي جمرة ألقيتها في العتمة، وأنت الالتماع الذي يمنحها معنى.



متن:

نهر السوباط: أحد روافد النيل، ينبع من إثيوبيا وينساب عبر جنوب السودان، ويصب في النيل الأبيض بالقرب من مدينة ملكال عند تل "دوليب هيل".


كُوبلو: رقصة شعبية إيقاعية تشتهر بها قبيلة الدينكا/آقار بجنوب السودان.

شكندرة تشكر الكاتب القاص سايمون اتير على هذه المساحة الماتعة، أدهشتنا أجوبته وطمعنا حقًا في المزيد من اللقاءات معه، نتمنى أن نلتقيه وهو يدشن أعماله قريبا، نتمنى له المزيد من التوفيق والألق.



الأربعاء، 20 أغسطس 2025

حوار شكندرة مع الكاتبة إسراء رفعت

شكندرة تحاور الكاتبة إسراء رفعت:  

 

عن البدايات والكتابة الأولى 

 

1. متى بدأت بذرة الحكي الأولى تتشكل داخلك، وكيف وجدت طريقها إلى الورق؟

جميلة التفرقة في هذا السؤال بين الحكي والكتابة.. 

أعتقد أنني وُلدت بحساسيةٍ تجعلني ألاحظ الكثير من حولي وأرى اﻷشياء بوصفها قصصًا، أي أن لدي استعدادًا للحكي، ثم بعد ذلك تعلّمتُ الكتابة لجعل القصص مسموعة أو مقروءة، على اﻷقل لي.. 

كان ذلك تقريبا في التاسعة من عمري، الكتابة لأول مرة، وكانت بالمناسبة رواية وليست قصة، لكن الجدير بالذكر أن اللغة العربية والشعر والكتابة كانت هي المزاج العام في ذلك الوقت في محيطي، ربما دُفعت لذلك مع جملة اﻷسباب الأخرى: الصدف والاستعداد وحب اللغة ودعم المحيط. 

 

2. هل ولادة كتابك كانت حلماً قديماً أم صدفة نضجت فجأة؟ 

كانت القرية حلمًا قديمًا -لم أكن أعرف اسمها بالطبع- حتى أنني وأنا في المدرسة، جمعتُ كل كتاباتي قصةً وروايةً وخاطرة وقصيدة، ومثلما يحزم المسافر العَجِلُ أمتعته بدافع الحماس فوق بعضها دون ترتيب، ألقيتها كلها في كتاب صنعته بنفسي، صممته على الوورد وطبعته وجعلت له إهداءً وغلافًا مثل كتابٍ حقيقي، بل وسيرة للكاتبة! وأنا في المتوسط أو الثانوي تقريبا، وسميته الخطوات اﻷولى، لا زال موجودًا في المنزل حتى اﻵن، غير أنني لم أتصور أن المسافة بينه وبين القرية/ كتابي الحقيقي ستكون طويلةً كل هذا. 

 

3. هل كنتِ تخطّطين لإصدار مجموعة قصصية، أم أنّها حصيلة نصوص متفرقة وجدت انسجامها لاحقاً؟

الإثنان! منذ ٢٠١٧ تقريبًا وكلما وجدت نفسي كتبت قصة تخيلتها في المجموعة القصصية التي سأصدرها، لكن بالطبع وقت النشر ثمة ما أستُبعد من القصص وأرجئ حتى فرصة نشر ثانية، وثمة ما استبعد تمامًا، والكثير أعيدت صياغته وعدل عليه إلى آخر ذلك من متلازمات الكُتّاب! 

 

4. كيف تشكّلت لديك فكرة "القرية التي اشتعلت من بقعة في السرير" عنواناً ومشروعاً؟ 

يحلم الكاتب بأن ينشر، ثم يظل يؤجل ويخاف، ثم يصبح خوفه عبئًا عليه، ثم يستمع لأول مرة باهتمام لكلام اﻷصدقاء عن ضرورة النشر للتفرغ للكتابة التالية، ويبدأ بتصديق أن عدم نشر الكتاب اﻷول يمنع من الكتابة التالية فيتقدم للنشر. 

أما عن فكرة النص نفسه المعنونة به المجموعة، فهو بالطبع أكثر ما أردت له أن يلفت الانتباه، ففيه بعض الغموض وفيه نَفَس الحكاية الأسطورية، جدير بالذكر أن كل من قرأ هذا النص علّق أنه تفاجأ من قِصره ليحمل عنوان المجموعة بأكملها، ولكنني أردت لهذه القصة أن تحظى بالاهتمام، تهمني قضيتها وأنحاز، فأنا لست بمعزل عنها، وواجهت ما واجهته في الكتابة والوسط الثقافي من عبء كوني امرأة، وعبء تشييء المرأة، أي التعامل معها بوصفها شيئًا أو أداة بمختلف طرق التعامل، ورغم الخيال والأسطورة في الحكاية كتبت عن أن ذلك سيعود على القرية/المدينة/البلدة/العالم بالسوء فالقرية تشتعل من سرير البنت جراء الحدث، والصمت والتواطؤ. 

 

5. ما العلاقة بين تجاربك الشخصية والخيال في رسم عالم القرية والقصص؟

الكثير، ليس بإمكاني عزل أي قصة من قصصي عني شخصيًّا، أعتقد أن قدرة الكاتب على القص نابعة من قدرته أن يتخيل أبطالَه، أن يكونهم إن صح التعبير، أنا بائعة الطعمية وأنا الجنرال، وأنا الشحاذة وأنا ولادة بنت المستكفي وخولة في آنٍ معًا، وفي كل قصةٍ جغرافيا ما لمحتُها وتاريخ ما قرأته وتخيلته. 

 

6. أي لحظة كتبتِها أولاً، وكانت الشرارة لانطلاق باقي الحكايات؟

انطلاقًا من نفسي كتبت، أولَ ما كتبت، كنت أكتب الحياة بوجهة نظري أنا، وهي ساذجة وبريئة ولطيفة كما هو حال وجهة نظر بنت عربية، ثم نصحني أحد الكتاب اﻷصدقاء بأن أُبعد القصة قليلا عني، وأبدأ في النظر للحكاية من وجهة نظر البطل، ظلت نصيحته ترن في ذهني فقد كانت في ذلك الوقت من أصدق النقد الذي تلقيته، كان ذلك وقتما تعرفت على الكثير من الكُتاب والمثقفين خلال وبعد جائزة الطيب صالح للكتاب الشباب. 

تلقيت هذا النقد بتعطش شديد، والنقد أزمة في السودان، أصفه في غالبه بعدم الموضوعية، المهم أني وجدت أمر التقمص هذا معقدًا وصعبًا علي، ويلزمه الكثير من علم النفس والملاحظة، وهكذا شرعت في تعلم ذلك، قراءةً وملاحظةً وتدريبًا، ووجدت أثره في بناء الشخصية، خصوصا عند كتابة شخصيات مثل بائع في كشك في حي شعبي، أو راقصة، أو شحاذة أو وزير، أو جنرال، شخصيات لم أرها من قبل أو كان احتكاكي بها طفيفًا. كانت منطقية ومعبّرة وأعجبت الكثير ممن قرأها.  

غير أنني في العموم بدأت بداية تقليدية، أثقلت في بداية كتابتي قصصي بالقضايا، تربينا على القضية الفلسطينية، قضايا العنصرية، الفقر، التبرع للمساكين، القيم، وإلى آخر ذلك، ثم تعلمت شيئًا فشيئًا ألا أثقل القصص وأن أمرر المواضيع الجادة تمريرًا خفيفًا لا يفسد من مهمة القصة في الترويح والاستمتاع باللغة والعرض والتقنية.

7. هل كنتِ تكتبين لنفسك فقط في البداية، أم كنتِ تتخيلين قارئاً محتملاً يشاركك النص؟

 

عندما أفرغ من مراجعة النص ألف مرة، حينها وبصورة سحرية أتخيل قارئًا محتملًا، في البداية لا يكون من أحد سواي أنا في دور الخالق والقاضي، والنص في دور المخلوق والمحكوم عليه، بعدها وحسب مصيره أفلته للنشر، وآخر ألقيه في مجلد للقصص التي تنتظر موقعها من اﻹعراب وهي غالبًا ما تُهمل. 

 

 

عن النشر والتجربة الأولى

 

8. كيف اخترتِ دار النشر، وما المعايير التي جعلتك تشعرين أنها الأنسب لك؟

وُفقت للنشر بترشيح اﻷستاذ بركة ساكن -عبر الدكتور هاشم ميرغني- إلى زياد مبارك ومنشورات عندليب، وأشكر كثيرًا الدكتور هاشم فقد ظل معي لحظة بلحظة وتحمل تشككي الدائم حول النشر وقلقي من أن القصص ليست بالمستوى المطلوب، كذلك دكتورة لمياء شمت التي كانت شهادتها في حق الكتاب دافعًا معنويا قديرا وكبيرا للنشر. 

عن المعايير فاﻷهم اﻷهم هو المقروئية، دار النشر التي تحقق المقروئية هي ما يهم، كذلك المشاركة في المعارض كي يصل الكتاب للقراء في دولهم دون عناء وتكلفة الشحن، وشروط العقد المرنة. 

 

9. ما أصعب لحظة في مشوار النشر الأول: كتابة النصوص، مراجعتها، أم مواجهة القارئ؟

المراجعة هي اﻷصعب، يتغير فيها الرأي كثيرا حول جدوى الطبع أو إرجائه حتى يتطور اﻷسلوب مثلا، يضع الكاتب لنفسه عراقيل وهمية ويتصور أن إنتاجه لا يستحق القراءة وهذا طبيعي. 

 

10. ماذا مثّل لكِ أن تري كتابك مطبوعاً بين يديك للمرة الأولى؟

مثل ولادة طفل جميل معافى. 

 

11. كيف كانت ردود الفعل الأولى التي وصلتك، وما الأثر الذي تركته داخلك؟

جميع من قرأ الكتاب أثنى عليه إيجابًا، كان ولا يزال اﻷهم بالنسبة لي أن يقول لي القارئ أنه استمتع، وأنه اصطحب الكتاب في مشوار ما ليقرأه أثناء انتظار ما، من أجمل الصور التي وصلتني صورة كتابي في حقيبة الرياضة التي تخص صديقة، تصطحبه معها حتى إلى الجيم، كذلك لحظة قرأت صديقة وجارة لي قصة: نكتة غير مضحكة. بصوت مرتفع جواري وأبدت مفاجأتها مرة بمصير البطلة، وتعجبها، وتعاطفها، وظهر ذلك في إيماءاتها، كانت لحظة ساحرة، من فرط سحرها سجلتها صوتيًّا. 

 

12. هل تغيّرت نظرتك إلى الكتابة بعد تجربة الطباعة والانتشار؟

لا، لكنني وددت لو تقل عملية النشر تعقيدًا، وتتطور في عالمنا العربي. 

 

13. ما التحديات التي لم يخبرك بها أحد قبل دخول عالم النشر؟ 

أن النشر لا يعني بحال المقروئية، وأن التسويق أهم من النشر، وأن التسويق ليس من مهام الكاتب. 

 

مشاريعك القادمة والخيارات الأدبية

 

14. هل ترين نفسك تميلين أكثر نحو القصة القصيرة أم أنّك تفكرين في خوض تجربة الرواية؟

كلاهما قَص، ولكني أرغب اﻵن في كتابة رواية. 

 

15. هل لديك الآن مشاريع مكتملة الملامح أم مجرد مسودات تنتظر النضج؟

لدي مجموعة قصصية مكتملة تحتاج تفرغي لمراجعتها، ولدي طبعا -حال أي كاتب- الكثير من المسودات غير المنتهية. 

 

16. كيف تقررين أن نصاً ما يستحق أن يتحوّل إلى مشروع كتاب؟

سأجيبكِ جوابًا غريبًا قليلا، هو يقرر! 

تأتي كل فكرة ومعها قالبها/ماعونها.. تأتي بعض القصص أحيانًا صغيرة وتكبر حتى تصبح حكاية كاملة مستقلة وبعضها تتحول لرواية كاملة بحالها، وبعضها أظنه في البداية كبيرًا حتى يتحول كلما كتبت فيه إلى شيء صغير، ربما لا يتعدى قصة قصيرة جدًا من سطر واحد، اﻷمر متروك لحجم الفكرة. 

 

17. إلى أي مدى تسمحين للحياة اليومية أن تتدخل في رسم ملامح مشاريعك الأدبية؟

يجب أن تتدخل، على اﻷقل في رأيي، الكتابة طريقة للتعاطي مع الحياة يجب أن تكون منها وإليها، لكنَّ ذلك لا يعني أن ينصرف الكاتب إلى كتابة ما يريده الجو والمزاج والتريند مؤخرًا، هذا يجعله تاجرًا والتاجر يريد أن يبيع ولا يبحث التجار عن المعنى. 

 

عن الكاتب ووسائل التواصل

 

18. ما الدور الذي لعبته وسائل التواصل في تعريف القراء بكتابك الأول؟

التسويق آفة هذا العصر، ولكنه مهم واضطراري، الناس تعودت ألا تختار بل أن تستهلك ما دُفع إليها حتى موطئ أقدامها، حينها فقط تنحني وتلتقطه، ولذا يعمل أصحاب المنتجات الغث والسمين منها على إطعامها للناس في أفواههم، ولست بمعزل عن هؤلاء، أريد لكتابي أن يصل وأن يقُرأ وأشعر أنه يستحق، وأستخدم ما أراه مناسبًا وكريمًا للترويج له. 

 

19. هل تحسين أن حضور الكاتب في المنصات الافتراضية ضرورة أم عبء؟

مرهون بأن يريد هو ذلك، اﻷمور تسير بوجود الكاتب فيها أو عدم وجوده، سيان، بعض الكتاب يكونون في الفضاء الرقمي ويخدم ذلك رحلتهم، المهم أن يختار الكاتب لنفسه ما يرتاح فيه.

20. كيف توفّقين بين عزلتك الإبداعية وانفتاحك على الجمهور عبر هذه المنصات؟

أحيانا تقاطعك هذه المنصات والرغبة في أن تنتشر عبرها -شعور إنساني طبيعي- تقاطع عزلتك، ولكنني أدرك أن العزلة هي اﻷهم واﻷثمن، وأحاول ألا أفرط فيها، لذلك تجدون حضوري في المنصات شخصيًا ومتذبذبًا في الكثافة، وبوصفي قارئة أكثر منه بوصفي كاتبة. 

 

21. هل تعتقدين أن التفاعل مع القرّاء يغيّر طريقة كتابتك أو يدفعك لتجديد صوتك؟

التفاعل مع القراء جميل، ولكن في قود ريدز أو بصورة شخصية، مكاتبات، إيميلات، وأشياء حميمة، أو وجهًا لوجه، أنا لم أصل لمرحلة التفاعل الجماهيري مع الناس بعد، ولكنني لا أظن أنني سأنجح في ذلك رقميًّا، بل حضوريا. 

 

عن المخاوف والذكاء الاصطناعي

 

22. ما الذي يقلقك ككاتبة شابة في ظلّ صعود الذكاء الاصطناعي في مجال الكتابة؟

لا يقلقني هذا اﻷمر، Chat Gpt صديقي أصلا.. 

 

23. كيف يمكن للكاتب أن يحافظ على صوته الأصيل وسط هذا الزخم؟

بأن يكون نفسه ولا يبتذلها في محاولات الظهور فقارئ واحد واعٍ وذواق يعني الخلود.. 

 

24. برأيك، هل يمكن أن يهدّد الذكاء الاصطناعي التجارب الإبداعية أم أنه مجرد أداة مساعدة؟

التجربة الكتابية ؟ أستبعد ذلك حتى اﻵن، خصوصا باللغة العربية، اﻷصالة واضحة في اللغة العربية تفضحها في الذكاء الصناعي رائحةُ الأكواد البرمجية. 

 

عن المسابقات والمنصات الأدبية

 

25. هل شاركتِ أو تفكرين في المشاركة بالمسابقات الأدبية، وكيف ترين قيمتها الفعلية؟

نعم شاركت وفخورة بفوزي بجائزة غادة للكتاب، كانت دافعًا معنويًّا جميلًا وغاليًا على قلبي، كذلك جائزة الطيب صالح للكتاب الشباب، ٢٠١٧، كنتُ جديدة على اﻷدب والمجتمع، وصنعت لي علاقاتٍ جميلة مع الكتاب ومنحتني فرصة اكتشاف الوسط اﻷدبي والثقافي. 

هي مفيدة وقيمة ولكنها لا تحدد جودة وأصالة العمل، أو مهارة الكاتب، لكنها مفيدة بصورة شخصية لحاملها، تدعمه وتعطيه دافعًا معنويا كبيرًا وكذلك مهمة ماديًا لتقدير الكاتب ومنحه مكانته بين الناس. 

 

26. إلى أي مدى تسهم الجوائز في صناعة كاتب جديد؟

لا تسهم لوحدها بحال، يذهب الزبد، كما أن شخصية الكاتب أحيانا تعرقلها مثل هذه الجوائز فيعمل ضد نفسه، ولكنها ذات فائدة أحيانا فهي تقدم بعض الكتاب الجيدين والمغمورين للناس ويتبوؤون ما يستحقونه من مكانة، يصادف أنني أقرأ هذه اﻷيام لعبد الرزاق قرنح ولولا نوبل ٢٠٢١ لما سمعت عنه. 

 

27. كيف ترين المنصات الأدبية الإلكترونية: جسور فعلية أم فضاءات عابرة؟

جسور جميلة ولطيفة، خصوصا لنا نحن الذين كنا نرتب لقاءاتنا مع أصدقائنا الكتاب في السودان بأيسر ما يكون، وقد حرمتنا هذه الحرب اللعينة كل ذلك، ولكن يظل الأفضل طبعا هو اللقاء الحضوري. 

 

28. ما الذي تتمنينه من هذه المنصات لتخدم المبدعين الشباب بشكل أعمق؟

الإخلاص للمشروع، والحضور واقعيا وعلى الفضاء الرقمي، والصبر على المشروع وعدم اللحاق باﻷرقام هدفًا وإنما وسيلة. 

 

 عن المكان والهوية

 

29. ماذا يمثل الوطن في كتاباتك: فضاء ملهم أم عبء ذاكرة؟

يا سلام، الوطن يا لها من كلمة، حسب القصة، وحسب نوع الكتابة، فحتى في يومياتي، يحضرني الوطن حضورًا ثقيلا مرات، ومرات يحضر كقطرة ندى، خفيفة ولا تُقبض، عندما يكون عندك بلاد كالسودان، فأنت تملك كل الأسباب لتبكي وتضحك في آن، وتأسى على نفسك ثم تكون كالطيب صالح، لمجرد تأمله نخل كرمكول يشعر بالغنى والكفاية. 

 

30. هل المكان بالنسبة لكِ صندوق قصص يتدفّق بلا نهاية أم صندوق مناديل مبتلة بالحنين؟

جميلة التعبيرات.. 

المكان مسرح، تمر القصص ويتبدل الديكور، وأبكي تارة كأن لم أصنع أنا القصة، وأضحك ويأخذني الحنين. مؤخرًا بدا لي -لشوقي للسنوات القليلة التي عشتُها في السودان- بدا لي أن معظم القصص القادمة ستكون منه وإليه، لكن، كما قلت، يظل المكان في القصة القصيرة رمزًا ولا يُؤخذ على ما ذكر، تدور القصة القصيرة أحيانًا في مكان أو مدينة معلومة الاسم والصفة لقارئها، الخرطوم، سكن الطالبات، بقالة، دمشق، حي الكلاكلة، بورتسودان، لكن المقصود الحقيقي يكون معنى أو رمزية، جحيم، مَطهر، جنة، عالم مُتَخيَّل...إلخ. وقد يستبعد المكان تماما من القصة، فالقصة القصيرة عمل بهلواني يقف أحيانًا -أسلوبًا للعرض- على ساق واحدة! 

 

31. كيف تتسلل الأمكنة الصغيرة والهامشية إلى نصوصك؟

الهامش هو المتن في كثير من اﻷحيان، القصص المتبّلة بملحها وبهاراتها تحدث -مثلًا- خارج الخرطوم، وإن حدثت داخلها فهي تحدث في أحياء بعيدة عن المعايير الجاهزة للأهمية والمكانة، وتكون أقرب للناس عمومهم، وأقرب للطبيعة لا للمصطنع من اﻷشخاص واﻷشياء.


اﻷماكن الصغيرة غنية ومكثفة المعاني، ولذا فهي هدايا للقصاصين والفنانين، يجب أن يحسنوا وضع قصصهم في مسارحها. 

 

32. هل تشعرين أن القرية التي كتبتِ عنها تتجاوز حدودها لتصبح رمزاً عاماً؟

أتمنى أن تصبح.. أتخيلها دائمًا عالمًا متخيًّلا في فيلم ما، فقط على مُخرج ما التقاطها. 

في القصة القصيرة غالبًا ما يكون الزمان رمز، والمكان رمز، والشخوص تكون أحيانًا رموزًا، لا شيء محدد ولا ننادي الأبطال بأسمائهم فهم نماذج، لأن أساس القصة الرمز والأمثولة وهي ليست خاصة بشخوصها مثل الرواية، وبمثل هذا أكتب قصصي، لِتَصِحَّ على أي زمان ومكان. 

عن النصائح والتجربة الإنسانية 

 

33. ما النصيحة التي كنتِ تتمنين أن تسمعيها قبل النشر؟ 

لو كنت استقبلت من أمري ما استدبرت، لما غيّرتُ شيئًا، كانت رحلة ممتعة سعدت بها. 

 

34. وما النصيحة التي توجهينها الآن لمن يستعد لخوض التجربة بعدك؟

اختاروا دور نشر تقدم عقودًا مرنة، ولديها خطة تسويق واضحة بنقاط مكتوبة، وسبق وشاركت في معارض الكتاب العربية المهمة، ولا بأس بالدفع المعقول مقابل النشر. 

 

35. ماذا تعلّمتِ عن نفسك كإنسانة لا ككاتبة من رحلة كتابك الأول؟

سؤال جميل ومهم، اﻹنسان رحلة وبالكتابة يكتشف المرء أشياء عن نفسه، لولا الكتابة لما استطعت صياغة واقعي ومعرفة نفسي، ووطني ومحيطي وعوالمي الداخلية، صحيح أنني أعرّف نفسي على أنني قارئة في المقام اﻷول، إلا أنه لولا الكتابة لما استطعت أن أفرغ كل ما أتلقاه من العالم عن طريق القراءة أو ما سواها، وأعبر عنه.


شكندرة تشكر الكاتبة إسراء رفعت على هذا الحوار الممتع، مؤكد كل مَنْ قرأ الحوار سيعود لإجابة ما لمست شيئا داخله، إنها جدوى الكتابة وسحرها على الدواخل، كل التوفيق للكاتبة إسراء رفعت القرشي، على أمل أن نلتقيها مجددا وهي تزف إصداراتها القادمة.



صوت الناشر يحاور دار اسكرايب للنشر والتوزيع ومديرها العام يوسف حسين

حوار مدونة شكندرة مع مدير دار اسكرايب للنشر والتوزيع، الأستاذ الكاتب الروائي يوسف حسين. أولًا: عن التجربة الروائية والشخصية 1- كيف بدأت رحلت...